وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ
من علوم القرآن الكريم

وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ





هاتان الآيتان القرآنيتان الكريمتان جاءتا في بدايات النصف الثاني من سورة التكوير ، وهي سورة مكية ، وآياتها تسع وعشرون ( 29 ) بعد البسملة ، وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بذكر أربع عشرة علامة من علامات الساعة ، وأولها تكون الشمس.


والشمس تبدو لنا – نحن آهل الأرض – مكورة لعظم المسافة بين الأرض والشمس والمقدرة بحوالي مائة وخمسين مليون كيلومتر ، ولكنها في الحقيقة لها بروزات عديدة تعرف باسم البروزات الشمسية ( صولار Pرومينانچيس )يتعدى أطوال بعضها عدة آلاف من الكيلومترات فوق سطحها ، وتندفع هذه البروزات الشمسية إلي تلك المسافات البعيدة فوق سطح الشمس بفعل التفاعلات النووية العنيفة في قلبها ، ومع الضعف التدريجي لتلك التفاعلات تنسحب البروزات الشمسية بالتدريج إلي داخل الشمس حتي تختفي بالكامل وحينئذ تتكور الشمس. وهذا التكور في الآخرة لن يتم بالسنن السائدة في الدنيا لأن الآخرة لها من السنن والقوانين ما يغاير سنن الدنيا بالكامل فهي لا تأتي إلا بغتة كما وصفها ربنا – تبارك وتعالي – في محكم كتابة بقوله العزيز :

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ۗ﴾(الأعراف: 187)


ويدور المحور الرئيسي لسورة التكوير حول قضيتين من قضايا العقيدة الإسلامية وهما : الإيمان بكل من الوحي ويوم القيامة. وتبدأ في نصفها الأول باستعراض عدد من علامات الساعة ومنها :

(1)تكور الشمس : إشارة إلي انطفاء جذوتها ، وضعف التفاعلات النووية بداخلها وانسحاب البروزات الشمسية المندفعة منها إلي خارج سطحها ولذلك قال – تعالي ء :

﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾( التكوير : 1 ).


(2)نكدار النجوم أي انطفاء لمعانها ، ومعروف أن هذا الانكدار هو من مراحل احتضار النجوم قبل اختفائها بالكامل إما بالانفجار والتحول إلي دخان الكون ، أو بالتكدس علي الذات حتى تبلغ حدا من الكثافة لا يمكن للعقل البشري أن يتصوره ، فيطمس نورها بالكامل لأن الضوء لا يستطيع الانفلات من عقال جاذبيتها الفائقة ، وإذا سقط عليها ابتلعته بالكامل ولذلك أطلق عليها علماء الفلك اسم الثقوب السود ( Bلاچك حوليس )وسماها القرآن الكريم في منتصف هذه السورة المباركة باسم ﴿... بِالْخُنَّسِ.الجَوَارِ الكُنَّسِ﴾ وانكدار النجوم وطمسها من الظواهر الفلكية التي عرفت في أواخر القرن العشرين ، وإشارة القرآن الكريم إليها من قبل أربعة عشر قرناً مما يشهد لهذا الكتاب الخالد بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية بل هو كلام الله الخالق ، ويشهد للنبي الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة. ولذلك قال–تعاليء:

﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ ﴾(التكوير:2) ومع تسليمنا بأن انكدار جميع النجوم في الآخرة لن يتم بالسنن الدنيوية التي ينكدر بها بعض النجوم في زماننا الراهن لأنه سوف يحدث بأمر من الله – تعالي – بـ( كن فيكون ) إلا أن إثبات علوم الفلك لحقيقة انكدار النجوم كمرحلة من مراحل احتضارها في الحياة الدنيا يبقي شهادة للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق ، وشهادة للنبي الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة.


(3)تسيير الجبال من أماكنها : وفي ذلك إشارة إلي بداية تهدم الأرض لأن الجبال هي تثبت بأمر الله – تعالي – ألواح الغلاف الصخري للأرض مع بعضها البعض بان فاعليتها إلي ما دون الغلاف الصخري للأرض لتطفو في نطاق الضعف الأرضي الذي توجد فيه الصخور في حالة شبه منصهرة ، لدنة ، عالية الكثافة واللزوجة تماما كما تطفو جبال الجليد في مياه البحار والمحيطات كذلك فإن توزيع الجبال علي سطح الأرض يقلل من شدة ترنحها أثناء دورانها حول محورها ، فإذا زالت الجبال زادت الأرض من ترنحها في سبيلها للتدمير الكامل ولذلك قال – تعالي : ﴿وَإِذَا الجِبَالُ سُيِّرَتْ ﴾( التكوير: 3 ) ومن معاني تسيير الجبال من الآيات القرآنية الأخرى.


(4)تعطيل العشار ، وهي النوق الجبالى في شهرها العاشر ، وتعطيلها يعني تخلي أصحابها عنها لا يرعاها أحد ، وإهمالها حتى لا يهتم بشأنها أحد ، وهي أغلي

ما تكون عند البدوي لأنها مرجوة الولد واللبن ، قريبة النفع ، ولكن أهوال الآخرة تصرفه عنها ، وتضطره إلي إهمالها وتركها وتسببها. وقبل في العشار : إنها السحاب يعطل عن المسير بين السماء والأرض لخراب الدنيا وتدمير النظام الكوني. وقيل : إنها الأرض الزراعية التي تعشر ، وقيل : إنها الديار التي كانت تسكن ، تهجر وتعطل لهروب أصحابها منها وابتعادهم عنها ، وكل ذلك إشارة إلي بدء تهدم الكون وانهيار كل شئ فيه ، وإن كان الراجح أنها العشار من الإبل ،وهي خيارها والحوامل منها ، التي وصلت في حملها إلي الشهر العاشر ، وواحدتها عشراء ، ولا يزال ذلك اسمها حتى تضع. وفي التعبير إشارة إلي إهمال الناس كل حامل من الأحياء لما دهاهم من عظائم الأمور وقت قيام الساعة. ولذلك قال – تعالي ء: ﴿وَإِذَا العِشَارُ عُطِّلَتْ﴾( التكوير : 4 ) .


(5)حشر الوحوش أي جمعها ، فإن هذه الخلائق كلها سوف تبعث ليقضي الله – تعالي – فيها ما يشاء ، وهذه الوحوش المتعدية الجائرة قد حولها الرعب الناتج عن مخالفة بعضها بعضا ، وافتراس بعضها للبعض الأخر وتجمعت علي بعضها ناسية ، وهي الشاردة النافرة في شغاب الأرض ، أو المنزوية في حجورها وبيوتها فخرجت هائمة علي وجوهها لا تدري أين تذهب ، وقد أنساها هول التدمير الكوني عن كل عاداتها وطبائعها وغرائزها وخصائصها ، فحشرت وتكدست علي بعضها بعضا واختلط منها الحابل بالنابل ولذلك قال – تعالي ء:﴿وَإِذَا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾( التكوير : 5 ).


(6)تسجير البحار وهو تسعيرها حتى تصير نارا تأجج أو إحماء قيعانها كما تحمي اليوم صهارات الصخور المندفعة بملايين الأطنان عبر الخسوف الأرضية المكونة لتلك القيعان ، وبعض البحار وجميع المحيطات قيعانها مُسجرة اليوم بالثورات البركانية المندفعة من أغوار قيعانها ، ولكن تسجير الآخرة سيكون أدهى وأشد ، كما سيتم بعدد من السنن والقوانين المغايرة لسنن الدنيا تماما ، ولكن من رحمة الله – تعالي – بنا أن أبقي لنا في قيعان كل محيطات الأرض ، وفي قيعان أعداد من بحارها صورة من صور التسجير بواسطة ثورة البراكين فوق قيعان المحيطات وقيعان عدد من البحار فيلتقي الأضداد : الماء والنيران دون أن يلغي أحدهما الآخر ليقرب لنا صورة من صور تسجير البحار – كل البحار – في الآخرة حتى لا يستبعد وقوعها مؤمن ، وإن تم ذلك بسنن وقوانين مغايرة لسنن الدنيا بالكامل ، ولذلك قال – تعالي ء:﴿ وَإِذَا البِحَارُ سُجِّرَتْ ﴾( التكوير : 6 ).


(7)تزويج النفوس : وهو يحتمل أن يكون عودة الأرواح إلي أجسادها أو هو الجمع بين الأمثال من الناس ، والتأليف بين كل شيعة علي حدة انطلاقا من قول رسول الله – صلي الله عليه وسلم ء: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾– قال ء: الضرباء من قول ربنا – تبارك وتعالي ء:

﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاثَةً . فَأَصْحَابُ المَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ المَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ المَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ المَشْأَمَةِ . وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ﴾( الواقعة : 7 – 10 ) فيقرن بين المؤمنين الصالحين في الجنة كما يقرن بين الفاسدين أصحاب السوء في النار ، وفي ذلك يقول ربنا – تبارك وتعالي ء : احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُواوَأَزْوَاجَهُمْ أي أقرانهم.

وعن ابن عباس – رضي الله عنهما – إنه قال : يسيل واد من أصل العرش من ماء ، فيما بين الصيحتين ، ومقدار ما بينهما أربعون عاما ، فينبت منه كل خلق بَلِيَ من الإنسان أو طير أو دابة ، ولو مرَّ عليهم مارُّ قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم علي وجه الأرض قد نبتوا ، ثم ترسل الأرواح فتزوج الأجساد ، فذلك قال الله – تعالي ء: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾.


(8)،(9) ﴿وَإِذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ . بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾ ( التكوير : 8 ، 9 ).


والموءودة هي المولودة الأنثى التي كان كثير من أهل الجاهلية يئدونها أي يدسونها في التراب كراهية البنات ، أو خوف العار أو خوف الفقر فيوم القيامة تسأل : ( بأي ذنب ***ت ) فيكون في ذلك من التهديد والوعيد لقاتلها ما فيه ، لمطالبتها من الله بدمها من وائدها ، لأنه إذا كانت الموءودة ستسأل عن وأدها فما بال الوائد لها ؟!

(10) نشر الصحف أي صحف الأعمال ، ونشرها يفيد كشفها بالكامل ، وفيها من المساوئ ما يخجل صاحبها من ذكرها فضلا عن علانية كشفها ، فهذا الكشف هو لون من ألوان الأهوال التي يتعرض لها أغلب الناس في يوم القيامة ، حين يعطي كل إنسان صحيفة أعماله بيمينه أو بشماله ، ويقال له :

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾ ( الإسراء : 14 ).

وفي ذلك يقول الحق – تبارك وتعالي ء:

﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾( الحاقة : 18 )

ويقول – تعالي ء:﴿ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾( التكوير : 10 )

(11) كشط السماء : ويعني إزالتها من الوجود حين يبدأ تدمير الكون كله ، لأن السماء هي كل ما يقابل الأرض من الكون كله وهي ذلك العالم العلوي من حولنا والذى يضم مختلف صور المادة والطاقة ، والمكان والزمان ، ويشمل ذلك كل ما نراه في السماء الدنيا من الأجرام المتعددة ، وصور المادة والطاقة المتباينة في أشكالها ، وهيئاتها ، وكثافتها ، وأحجامها وكتلها ، وسرعاتها ، ومداراتها ، وذلك من مثل الكواكب والكويكبات ، والأقمار والمذنبات ، والنجوم والبروج ، والسدم والمجرات ، وتجمعات ذلك مما نري ولا نري من أجرام السماء الدنيا ومختلف صور المادة والطاقة التي تملأ أرجاءها وكل ذلك مترابط بقوي الجاذبية ، والقوة الكهرومغناطيسية ، والقوي النووية الشديدة والضعيفة ، وهذه القوي جميعا هي صورة لقوة واحدة يشهد للخالق العظيم بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقة ، كما يشهد بذلك رد مختلف صور المادة كلها إلي غاز الإيدروجين.


فإذا جاء أمر الله – تعالي – بزوال هذا الكون انفرط عقده وتناثرت مكوناته قبل طيها وزوالها ، ولعل هذا ما يشير إليه الوصف القرآني بقول ربنا – تبارك وتعالي ء: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾( التكوير : 11 )


وقوله – عز من قائل –:﴿ إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾ ( الانفطار : 1 ).

وقوله – وقوله الحق ء: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ ( الانشقاق : 1 ).

(12) تسعير الجحيم : أي أوقد عليها حتى حميت وازداد لهبها واشتدت حرارتها ، أما أين هي ؟ وكيف توقد وتستعر ، وما وقودها ؟ ولا نعلم من ذلك إلا قول ربنا – تبارك اسمه ء: ﴿...وَقُودُهَا النَّاسُوَالْحِجَارَةُ... ﴾(البقرة: 24) وذلك بعد إلقاء أهلها فيها ، أما قبل ذلك فأمرها من الغيوب المطلقة التي لا سبيل لنا إليها إلا ما نزل عنها في كتاب الله – سبحانه وتعالي – أو في أقوال خاتم أنبيائه ورسله – صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ء ، وفي ذلك يقول الحق – تبارك وتعالي ء:﴿ وَإِذَا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ ﴾( التكوير : 12 ).

(13) ﴿وَإِذَا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾( التكوير : 13 )

أي قُرّبَت إلي أهلها حتى يسهل دخولهم فيها ، وهو من قبيل التكريم لأهل الجنة في مقابلة إذلال أهل النار.

(14) ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ﴾( التكوير : 14 )

وهذا هو جواب كل ما سبق من أحداث جسام ، أي إذا وقعت هذه الأمور كلها حينئذ تعلم كل نفس ما عملت ، وأحضر ذلك لها ، وفي ذلك يقول ربنا – تبارك وتعالي ء:

﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراًّوَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَاوَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً…﴾( آل عمران : 30 ).


وهنا تعلم كل نفس مالها وما عليها ، وسط الأهوال المحيطة بها ، وهي لا تملك أن تغير شيئا مما سُطَّر عليها ودون في صحائفها ، وقد انقطع العمل ، كما انقطع الرجاء إلا في الله – تعالي – ووجه الكريم ، وعفوه ورحمته ، ولعل في هذه الحقيقة ما يدفع العقلاء من الناس إلي محاسبة أنفسهم قبل أن يحاسبوا ، وأن يزنوا أعمالهم قبل أن توزن عليهم ، وأن يستعدوا للعرض الأكبر أمام خالقهم الذى يقول لهم :

﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾( الحاقة : 18 ).


وهنا ينتهي النصف الأول من سورة التكوير ، وسوف نعرض للقسم الثاني في المقال القادم إن شاء الله – تعالي – فإلي ذلك الحين أستودعكم الله الذي لا تضيع عنده الودائع داعيا لكم بكل خير والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

هاتان الآيتان القرآنيتان الكريمتان جاءتا في بدايات النصف الثاني من سورة التكوير ، وهي سورة مكية ، وآياتها تسع وعشرون ( 29 ) بعد البسملة ، وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بذكر تكور الشمس كواحدة من أربع عشرة علامة من علامات الساعة .

ويدور المحور الرئيسي لسورة التكوير حول قضيتين أساسيتين من قضايا العقيدة الإسلامية وهما : الإيمان بكل حقيقة من الوحي السماوي وحتمية يوم القيامة . وقد اشتمل النصف الأول من هذه السورة الكريمة على عدد من علامات الساعة ، ويؤكد قسمها الثاني على حقيقة الوحي الذي نزل به جبريل – عليه السلام – إلى خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد بن عبد الله – صلوات الله وسلامه عليه – كما أنزل إلى عدد كبير من الأنبياء والمرسلين من قبل .

ويقسم ربنا – تبارك وتعالي – على صحة ذلك – وهو الغني عن القسم لعباده – بعدد من الأمور المبهرة فى خلقه فيقول: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الجَوَارِ الكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ* مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴾ ( التكوير : 15 – 20 )ونفي القسم فى اللغة العربية مبالغة فى توكيده ، والوصف﴿... الْخُنَّسِ * الجَوَارِ الكُنَّسِ﴾ينطبق على حقيقة كونية مبهرة تمثل مرحلة من مراحل حياة النجوم يسميها علماء الفلك اليوم باسم الثقوب السود (Bلاچك حوليس ) . وهذه المرحلة لم تكتشف إلا فى العقود المتأخرة من القرن العشرين ، والإشارة إليها فى القرآن الكريم من قبل أربعة عشر قرنا بهذه التعبيرات العلمية الدقيقة﴿... الْخُنَّسِ * الجَوَارِ الكُنَّسِ﴾أى النجوم الخانسة الكانسة ، وهي تسمية أبلغ وأدق من التسمية العلمية ( الثقوب السود ) هى شهادة لهذا الكتاب العزيز بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية .

بل هو كلام الله الخالق الذى انزل بعلمه ، وحفظه بعهده فى نفس لغة وحيه ، وهى كذلك شهادة للنبي والرسول الخاتم الذى تلقاه بأنه كان موصولا بالوحي ومعلما من قِبَلِ خالق السماوات والأرض .

وقد سبق لنا استعراض ومضة الإعجاز العلمي فى قول ربنا – تبارك وتعالي ء .

﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الجَوَارِ الكُنَّسِ﴾ونركز هنا على ما جاء من إعجاز علمي فى الآيتين التاليتين اللتين يقول فيهما ربنا– تبارك وتعالىء: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ﴾

وقبل الوصول إلى ذلك نستمر فى استعراض بقية هذه السورة الكريمة فنقول : انه بعد القسم بكل من الخنس الجوار الكنس وبالليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس يأتي جواب القسم بقول ربنا – تبارك وتعالي ء﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ* ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ* مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴾ ( التكوير : 19ء21) .

والرسول الكريم هو جبريل – عليه السلام وهو ملك شريف ، حسن الخلقة ، بهي المنظر لذلك وصف بوصف الكريم ، (ذى قوة ) أي شديد القوة والفعل ، (عند ذي العرش) اى عند الله – تعالي – ( مكين ) أي له مكانة عظيمة عند رب العالمين ، ( مطاع ثم ) أى مطاع فى الملأ الأعلى أي في السماوات العلا ، ( أمين ) وصف لجبريل – عليه السلام – من الله – تعالي – بالأمانة ، وتزكية من الله – سبحانه وتعالي – لهذا الملك المطهر ، وتأكيد على صدق الوحي الذي حمله إلى خاتم الأنبياء والمرسلين –صلى الله عليه وسلم – كما حمله من قبل إلى عدد كبير من أنبياء الله ورسله .

ومعني جواب القسم : أن هذا القرآن الكريم – ومنه الآيات الواردة في النصف الأول من هذه السورة الكريمة واصفة لعدد من علامات الساعة – هو كلام الله الموحي به إلى خاتم أنبيائه ورسله بواسطة ملك من ملائكة السماء المقربين إلى رب العالمين ، ولذلك فهو عزيز على الله – تعالي ء ، وهذا الملك المبلغ عند الله سبحانه وتعالي – هو جبريل الأمين – عليه السلام – وقد تمت نسبة القول إليه هو باعتباره القائم بالتبليغ إلى خاتم الأنبياء والمرسلين – صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين .

والقسم القرآني بكل من(الخنس الجواري الكنس ، وبالليل إذا عسعس وبالصبح إذا تنفس) جاء للتأكيد على حقيقة الوحي الإلهي الخاتم الذي انزل إلى خاتم الأنبياء ، والمرسلين – صلى الله عليه وسلم – هداية للخلق أجمعين ومنهم الإنس والجن ، لينقلهم من ظلمات الشرك والكفر والضلال إلى نور التوحيد الخالص لله – تعالي – ومن فوضي وحشية الإنسان الضال إلى ضوابط المؤمن بالله ، القائم على حدوده ، المتقي لمحارمه ، والمرتقي بملكاته إلي مقامات التكريم التي كرمه بها الله . وكما جاء هذا القسم بشيء من صفات الملك الذي حمل هذا الوحي ، جاء بشيء من صفات النبي والرسول الخاتم الذي حمل إليه الوحي الخاتم فقال ربنا – تبارك وتعالي – مخاطبا أهل مكة : ﴿ وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ *وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ *لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ ﴾ ( التكوير : 22 – 29 ) .

والمقصود بتعبير ( صاحبكم ) هو سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – والذي عرفت فيه قريش كل صفات الحمد فوصفته قبل بعثته الشريفة بالصادق الأمين ، فلما جاءهم بالحق الذي أوحي إليه تقولوا عليه الأقاويل من وصف بالسحر والشعوذة إلى الجنون وقول الشعر، وهم يعرفون فيه رجاحة العقل ، وصدق القول ، وأمانة الكلمة وانضباط السلوك .

ولقد رأى سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم جبريل – عليه السلام – رأى العين فى الصورة التى خلقه الله– تعالىءعليها له ستمائة جناح ( بالأفق المبين ) أي البين الواضح ، وهي الرؤية الأولى التى وقعت فى بطحاء مكة ، وجاء وصفها فى مطلع سورة النجم . وفى قوله ءتعالىء ﴿ وَمَا هُوَ عَلَى الغَيْبِ بِضَنِينٍ ﴾أي وما هو بكاذب على الغيب ، أو بخيل به لأنه يبذله للخلق أجمعين ، فقد كان القران غيبا فأنزله الله – تعالي – على خاتم أنبيائه ورسله ، فما ضن به هذا الرسول الخاتم على أحد ، بل بلغه ونشره ، وبذل حياته كلها من اجل التبليغ عند ربه سبحانه وتعالي .

وفى قوله ءتعالىء :﴿ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ ﴾ تأكيد على أنه لا ينبغي للشيطان الرجيم أن يحمل هذا القرآن الكريم ، وجاء ذلك ردا على كفار قريش الذين اتهموا النبي الكريم كذبا بأن شيطانا يتنزل عليه بما يقول ، وجاء هذا الافتراء منهم كيدا له وحسدا ، أو عجبا ودهشة من هذا القول الذي فاق كل وصف فى الفصاحة والبلاغة وجمال النظم ودقته ،تمشيا مع ظنهم أن لكل شاعر شيطانا يأتيه بالقول الفريد . وأن لكل كاهن شيطانا يأتيه بالغيب البعيد . وانصرفوا عن التعليل الوحيد الصادق أنه وحي من رب العالمين .

وفى السؤال القرآنى:﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ خطاب لكفار قريش ولكل منكر للوحي بالقران الكريم الى قيام الساعة ، ومعني التساؤل : أين تذهب عقولكم فى تكذيبكم بهذا القرآن الكريم؟ مع وضوح حجته وصدق محتواه ، ومع عظم الفارق بينه وبين كلام البشر مما يشهد له بأنه حقا كلام الخالق – سبحانه وتعالي – فى صفائه الرباني واشراقاته النورانية . ومن معاني هذا التساؤل الاستنكاري التوبيخي :أين تذهبون عن كتاب الله وعن طاعته ؟ أى : أين تذهبون فى حكمكم وقولكم منصرفين عن هذا الحق الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ؟ ويرد عليهم ربناء تبارك وتعالىءبحكمه القاطع:﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ﴾ أي : إن هذا القران الكريم ذكر للخلق أجمعين الذين جمعهم الخالق – سبحانه وتعالي – في عدد من العوالم التى يعرف الإنسان منها عوالم الإنس والجن والملائكة، وعوالم الحيوان والنبات ، وعوالم الجمادات والسوائل والغازات – وغير ذلك من العوالم التى لا نعرفها ، وهذا الذكر الحكيم جاء لكل هذه العوالم من أجل أن يذكر كل مخلوق بحقيقة وجوده ، وبتفاصيل رسالته فى هذه الحياة وبمصيره من بعدها !!

وهذا الذكر الحكيم ميسر لكل من يريد الهداية الى دين الله – تعالي – والاستقامة على شرعه ولذلك قال – تعالي :ء﴿ لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ﴾أي : أن يستقيم على هدى رب العالمين ، خاصة فى الأمور التى تقع فى صميم الغيب المطلق او الأوامر الإلهية المطلقة كالعقيدة والعبادة ، وكلاهما لا سبيل للإنسان إليه إلا بوحي من الله – تعالي –وخاصة كذلك فى الأمور التى أو هي من ضوابط السلوك كالأخلاق والمعاملات، والتاريخ يؤكد على عجز الإنسان دوما عن وضع ضوابط لسلوكه من تصوراته ، ومن هنا كانت ضرورة الدين الذى ينذر دوما بأن من ينحرف عن طريق الله بعد إقامة الحجة عليه فلا عذر له ولا مبرر لاختياره .

وحرية الاختيار فى أمر الدين هى من أساليب الابتلاء للإنسان في هذه الحياة الدنيا ، ليثبت جدارته بالخلود فى الجنة أو استحقاقة للخلود فى النار، وحرية الاختيار الإنسانى هىءعلى الرغم من ذلكء مرتبطة بالمشيئة الإلهية المطلقة ، فإذا كان فى علم الله الشامل أن فى إنسان ما شيئا من الخير ، أعانه الله تعالي – على الالتزام إلى بالخير فيما يقول وما يعمل ، وإذا ثبتت النوايا الخبيثة فى إنسان ما ، تركه الله – تعالي – لاختياره الذى اختار ، وحسابه على الله .

فإعطاء الإنسان حرية اختيار الدين الذى يدين به نفسه لله هو جزء من الأمانة التى حملها الإنسان باختياره، وإن لم يخرج ذلك عن مشيئة الله التى يُرَدُّ إليها كل أمر ، ولذلك قال ربنا فى ختام هذه السورة المباركةء وهو اصدق القائلين ء:﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ ﴾

من ركائز العقدية فى سورة التكوير :ء

(1)الإيمان بالآخرة و بكل ما جاء عنها فى كتاب الله – تعالي – من علامات ومشاهد وأوصاف.

(2)اليقين فى وحي السماء الذى حمله جبريل – عليه السلام ء إلى خاتم الأنبياء والمرسلين كما حمل لجميع الأنبياء والمرسلين من قبل .

(3)التصديق ببعثة النبي والرسول الخاتم – صلى الله عليه وسلم – وبأنه كان موصولا بالوحي ومعلما من قِبَلِ خالق السماوات والأرض .

(4)التسليم بأن دين الله الذى علمه لأبينا آدم – عليه السلام – لحظة خلقه ، وأنزله على سلسلة طويلة من الأنبياء والمرسلين من بعده قد ختم بالرسالة المحمدية التى أصبحت ذكرا ودينا وهداية للعاملين .

(5)الرضا بأن حرية اختيار الدين مكفولة لكل عبد من عباد الله ، يدين نفسه بالدين الذى يرتئيه ، لأنه على أساس ذلك سيكون حسابه فى الآخرة وهذا من صميم الأمانة التى عرضها الله – تعالي – على جميع خلقه﴿...فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَاوَأَشْفَقْنَ مِنْهَاوَحَمَلَهَا الإِنسَانُ ... ﴾ ولذلك قال – تعالي ء : ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ . لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ﴾( التكوير : 27 – 28 ) .

(6)الإيمان بأن مشيئة الإنسان محصورة فى دائرة إرادته ، وهى داخله فى دائرة قدر الله ، أي أن مشيئة الإنسان المحدودة جداً داخلة فى مشيئة الله الكبرى التى يرجع إليها كل أمر .

(7)أن الله – تعالي – هو رب العالمين ، أي رب كل شئ ومليكه ، خالقه وحافظه ، ومدبر أمره ، ومسترجعه بعد حياته الدنيا أو وجوده فيها .



كاتب الموضوع :
فكري ابراهيم