*سورة إبراهيم الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ...

سورة إبراهيم

الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ *1* اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ *2* الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُوْلَـئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ *3*

التعريف بالسورة إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم

هذه السورة - سورة إبراهيم - مكية , موضوعها الأساسي هو موضوع السور المكية الغالب:العقيدة في أصولها الكبيرة:الوحي والرسالة والتوحيد والبعث والحساب والجزاء .

ولكن السياق في السورة يسلك نهجا خاصا بها في عرض هذا الموضوع وحقائقه الأصيلة . نهجا مفردا يميزها - كالشأن في كل سورة قرآنية - عن السور غيرها . يميزها بجوها وطريقة أدائها , والأضواء والظلال الخاصة التي تعرض فيها حقائقها الكبرى . ولون هذه الحقائق التي قد لا تفترق موضوعيا عن مثيلاتها في السور الأخرى ; ولكنها تعرض من زاوية خاصة , في أضواء خاصة فتوحي إيحاءات خاصة . كما تختلف مساحتها في رقعة السورة وجوها , فتزيد أطرافا وتنقص أطرافا , فيحسها القارئ جديدة بما وقع فيها من تجديد في "اللقطات الفنية " . ونحن نستعمل هذا التعبير "اللقطات الفنية " لأنه يلاحظ في صورته المعجزة في طريقة الأداء القرآنية !

ويبدو أنه كان لجو السورة من اسمها نصيب . . إبراهيم . . أبو الأنبياء . . المبارك , الشاكر الأواه المنيب . وكل الظلال التي تخلعها هذه الصفات ملحوظة في جو السورة , وفي الحقائق التي تبرزها , وفي طريقة الأداء , وفي التعبير والإيقاع .

ولقد تضمنت السورة عدة حقائق رئيسية في العقيدة . ولكن حقيقتين كبيرتين تظللان جو السورة كلها . وهما الحقيقتان المتناسقتان مع ظل إبراهيم في جو السورة:حقيقة وحدة الرسالة والرسل , ووحدة دعوتهم , ووقفتهم أمة واحدة في مواجهة الجاهلية المكذبة بدين الله على اختلاف الأمكنة والأزمان . وحقيقة نعمة الله على البشر وزيادتها بالشكر ; ومقابلة أكثر الناس لها بالجحود والكفران . .

وبروز هاتين الحقيقتين , أو هذين الظلين . لا ينفي أن هناك حقائق أخرى في سياق السورة . ولكن هاتين الحقيقتين تظللان جو السورة . وهذا ما أردنا الإشارة إليه:

تبدأ السورة ببيان وظيفة الرسول وما أوتيه من كتاب . . فهي إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن الله:

*كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد*.

وتختم بهذا المعنى وبالحقيقة الكبرى التي تتضمنها الرسالة . حقيقة التوحيد:

هذا بلاغ للناس ولينذروا به , وليعلموا أنما هو إله واحد , وليذكر أولو الألباب*.

وفي أثنائها يذكر أن موسى قد أرسل بمثل ما أرسل به محمد [ ص ] ولمثل ما أرسل به , حتى في ألفاظ التعبير:

*ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور*. .

ويذكر كذلك أن وظيفة الرسل عامة كانت هي البيان:

*وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم*. . .

وتتضمن إلى جانب وظيفة الرسول بيان حقيقته البشرية , وهي التي تحدد وظيفته . فهو مبلغ ومنذر وناصح ومبين . ولكنه لا يملك أن يأتي بخارقة إلا بإذن الله , وحين يشاء الله , لا حين يشاء هو أو قومه ; ولا يملك كذلك أن يهدي قومه أو يضلهم , فالهدى والضلال متعلقان بسنة الله التي اقتضتها مشيئته المطلقة .

ولقد كانت بشرية الرسل هي موضع الاعتراض من جميع الأقوام في جاهليتهم , والسورة هنا تحكي قولهم مجتمعين:

*قالوا:إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا , فأتونا بسلطان مبين*.

وتحكي رد رسلهم كذلك مجتمعين:

*قالت لهم رسلهم:إن نحن إلا بشر مثلكم , ولكن الله يمن على من يشاء من عباده . وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله . وعلى الله فليتوكل المؤمنون*.

ويتضمن السياق كذلك أن إخراج الناس من الظلمات إلى النور إنما يتم *بإذن ربهم*. . وكل رسول يبين لقومه *فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء , وهو العزيز الحكيم*.

وبهذا وذلك تتحدد حقيقة الرسول , فتتحدد وظيفته في حدود هذه الحقيقة , ولا تشتبه حقيقة الرسل البشرية وصفاتهم , بشيء من حقيقة الذات الإلهية وصفاتها . وكذلك يتجرد توحيد الله بلا ظل من مماثلة أو مشابهة .

كذلك تتضمن السورة تحقق وعد الله للرسل والمؤمنين بهم إيمانا حقا . تحقق ذلك الوعد في الدنيا بالنصر والاستخلاف , وفي الآخرة بعذاب المكذبين ونعيم المؤمنين .

يصور السياق هذه الحقيقة الكبيرة في نهاية المعركة بين الرسل مجتمعين وقومهم مجتمعين في الدنيا:

*وقال الذين كفروا لرسلهم:لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين , ولنسكننكم الأرض من بعدهم . ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد . . واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد ويصورها في مشاهد القيامة في الآخرة:

*وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام*. .

*وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد , سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار*. .

ويصورها في الأمثال التي يضربها لهؤلاء وهؤلاء:

*ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ; ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون . ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثتمن فوق الأرض ما لها من قرار . يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة , ويضل الله الظالمين , ويفعل الله ما يشاء*.

*مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف , لا يقدرون مما كسبوا على شيء . ذلك هو الضلال البعيد*. .

فأما الحقيقتان اللتان تظللان جو السورة , وتتسقان مع ظل إبراهيم:أبي الأنبياء . الشكور الأواه المنيب , وهما حقيقة وحدة الرسالة والرسل , ووحدة دعوتهم , ووقفتهم أمة واحدة في مواجهة الجاهلية المكذبة . وحقيقة نعمة الله على البشر كافة وعلى المختارين منهم بصفة خاصة . . فنفردهما هنا بالحديث .

فأما الحقيقة الأولى فيبرزها السياق في معرض فريد في طريقة الأداء . لقد أبرزها سياق بعض السور الماضية في صورة توحيد الدعوة التي يجيء بها كل رسول , فيقول كلمته لقومه ويمضي , ثم يجيء رسول ورسول . كلهم يقولون الكلمة ذاتها , ويلقون الرد ذاته , ويصيب المكذبين ما يصيبهم في الدنيا , وينظر بعضهم ويمهل إلى أجل في الأرض أو إلى أجل في يوم الحساب . ولكن السياق هناك كان يعرض كل رسول في مشهد , كالشريط المتحرك منذ الرسالات الأولى . وأقرب مثل لهذا النسق سورة الأعراف وسورة هود .

فأما سورة إبراهيم - أبي الأنبياء - فتجمع الأنبياء كلهم في صف وتجمع الجاهليين كلهم في صف . وتجري المعركة بينهم في الأرض , ثم لا تنتهي هنا , بل تتابع خطواتها كذلك في يوم الحساب !

ونبصر فنشهد أمة الرسل , وأمة الجاهلية , في صعيد واحد , على تباعد الزمان والمكان . فالزمان والمكان عرضان زائلان , أما الحقيقة الكبرى في هذا الكون - حقيقة الإيمان والكفر - فهي أضخم وأبرز من عرضي الزمان والمكان:

ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود . والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله . جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم , وقالوا:إنا كفرنا بما أرسلتم به , وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب . قالت رسلهم:أفي الله شك فاطر السماوات والأرض , يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم , ويؤخركم إلى أجل مسمى ? قالوا:إن أنتم إلا بشر مثلنا , تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا , فأتونا بسلطان مبين . قالت لهم رسلهم:إن نحن إلا بشر مثلكم , ولكن الله يمن على من يشاء من عباده , وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله , وعلى الله فليتوكل المؤمنون . وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا , ولنصبرن على ما آذيتمونا . وعلى الله فليتوكل المتوكلون . وقال الذين كفروا لرسلهم:لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا . فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين , ولنسكننكم الأرض من بعدهم . ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد .

*واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد , من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد , يتجرعه ولا يكاد يسيغه , ويأتيه الموت من كل مكان , وما هو بميت , ومن ورائه عذاب غليظ*. .

فها هنا تتجمع الأجيال من لدن نوح وتتجمع الرسل ; ويتلاشى الزمان والمكان ; وتبرز الحقيقة الكبرى:حقيقة الرسالة وهي واحدة . واعتراضات الجاهليين عليها وهي واحدة . وحقيقة نصر الله للمؤمنين وهي واحدة . وحقيقة استخلاف الله للصالحين وهي واحدة . وحقيقة الخيبة والخذلان للمتجبرين وهي واحدة . وحقيقة العذاب الذي ينتظرهم هناك وهي واحدة . . وذلك إلى التماثل بين قول الله لمحمد [ ص ]:

*كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور*.

وحكاية قوله لموسى - عليه السلام -:

*ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور*.

ولا تنتهي المعركة بين الكفر والإيمان هنا بل يتابع السياق خطواته بها إلى ساحة الآخرة . فتبرز معالمها في مشاهد القيامة المتنوعة التي تتضمنها السورة . وهذه نماذج منها:

*وبرزوا لله جميعا , فقال الضعفاء للذين استكبروا:إنا كنا لكم تبعا , فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء ? قالوا:لو هدانا الله لهديناكم , سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص . وقال الشيطان لما قضي الأمر:إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم , وما كان لي عليكم من سلطان , إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي , فلا تلوموني ولوموا أنفسكم , ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي , إني كفرت بما أشركتمون من قبل , إن الظالمين لهم عذاب أليم . . وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم , تحيتهم فيها سلام*. .

*ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون , إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار . مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء*. .

*وقد مكروا مكرهم , وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال . فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله . إن الله عزيز ذو انتقام . يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات , وبرزوا لله الواحد القهار , وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد . سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار*. . .

وهي كلها تشير إلى أنها معركة واحدة تبدأ في الدنيا وتنتهي في الآخرة , وتكمل إحداهما الأخرى بلا انقطاع ولا انفصال .

وتكمل الأمثال التي تبدأ في الدنيا وتنتهي في الآخرة كذلك إبراز معالم المعركة بين الفريقين , ونتائجها الأخيرة:مثل الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة:شجرة النبوة , وشجرة الإيمان , وشجرة الخير . والكلمة الخبيثة:كالشجرة الخبيثة:شجرة الجاهلية والباطل والتكذيب والشر والطغيان .

وأما الحقيقة الثانية المتعلقة بالنعمة والشكر والبطر فتطبع جو السورة كله , وتتناثر في سياقها .

يعدد الله نعمه على البشر كافة , مؤمنهم وكافرهم , صالحهم وطالحهم , برهم وفاجرهم , طائعهم وعاصيهم . وإنها لرحمة من الله وسماحة وفضل أن يتيح للكافر والفاجر والعاصي نعمة في هذه الأرض , كالمؤمن والبار والطائع:لعلهم يشكرون . ويعرض هذه النعمة في أضخم مجالي الكون وأبرزها , ويضعها داخل إطار من مشاهد الوجود العظيمة:

*الله الذي خلق السماوات والأرض , وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ; وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره , وسخر لكم الأنهار . وسخر لكم الشمس والقمر دائبين , وسخر لكم الليل والنهار . وآتاكم من كل ما سألتموه , وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها . إن الإنسان لظلوم كفار*. .

وفي إرسال الرسل للناس نعمة تعدل تلك أو تربو عليها:

*كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور*. .

والنور أجل نعم الله في الوجود . والنور هنا هو النور الأكبر . النور الذي يشرق به كيان الإنسان , ويشرق به الوجود في قلبه وحسه . . وكذلك كانت وظيفة موسى في قومه . ووظيفة الرسل كما بينتها السورة وفي قول الرسل مجتمعين:

*يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم*. .

والدعوة لأجل الغفران نعمة تعدل نعمة النور , وهي منه قريب . .

وفي جو الحديث عن النعمة يذكر موسى قومه بأنعم الله عليهم:

*وإذ قال موسى لقومه:اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم*.

وفي هذا الجو يذكر وعد الله للرسل:

*فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم . ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد*. .

وهي نعمة من نعم الله الكثار الكبار .

ويبرز السياق حقيقة زيادة النعمة بالشكر:

*وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم , ولئن كفرتم إن عذابي لشديد*. .

مع بيان أن الله غني عن الشكر وعن الشاكرين:

*إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد*.

ويقرر السياق أن الإنسان في عمومه لا يشكر النعمة حق الشكر:

*وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار*. .

ولكن الذين يتدبرون آيات الله , وتتفتح لها بصائرهم يصبرون على البأساء ويشكرون على النعماء:

*إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور*.

ويمثل الصبر والشكر في شخص إبراهيم في موقف خاشع , وفي دعاء واجف , عند بيت الله الحرام , كله حمد وشكر وصبر ودعاء .

*وإذ قال إبراهيم:رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام . رب إنهن أضللن كثيرا من الناس , فمن تبعني فإنه مني , ومن عصاني فإنك غفور رحيم . ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم . ربنا ليقيموا الصلاة , فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون . ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن , وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء . الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء . رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي , ربنا وتقبل دعاء , ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب*. .

ولأن النعمة والشكر عليها والكفر بها تطبع جو السورة تجيء التعبيرات والتعليقات فيها متناسقة مع هذا الجو:

*وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون*. .

*إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور*. .

*ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار*.

*اذكروا نعمة الله عليكم*. .

*الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق*. .

وفي رد الأنبياء على اعتراض المكذبين بأنهم بشر يجيء:

*ولكن الله يمن على من يشاء من عباده*. .

فيبرز منة الله تنسيقا للرد مع جو السورة كله . جو النعمة والمنة والشكر والكفران . .

وهكذا يتساوق التعبير اللفظي مع ظلال الجو العام في السورة كلها على طريقة التناسق الفني في القرآن . .

وتنقسم السورة إلى مقطعين متماسكي الحلقات:

المقطع الأول يتضمن بيان حقيقة الرسالة وحقيقة الرسول . ويصور المعركة بين أمة الرسل وفرقة المكذبين في الدنيا وفي الآخرة , ويعقب عليها بمثل الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة .

والمقطع الثاني يتحدث عن نعم الله على البشر , والذين كفروا بهذه النعمة وبطروا . والذين آمنوا بها وشكروا ونموذجهم الأول هو إبراهيم . ويصور مصير الظالمين الكافرين بنعمة الله في سلسلة من أعنف مشاهد القيامة وأجملها , وأحفلها بالحركة والحياة . . ليختم السورة ختاما يتسق مع مطلعها:

هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد , وليذكر أولو الألباب . .

فلنأخذ في السير مع المقطع الأول في السياق:

الوحدة الأولى:1 - 27 الموضوع:حقيقة الرسالة والرسول والمواجهة مع الكفار الدرس الأول:1 - 4 حقيقة الوحي والرسالة وطبيعة القرآن

*ألر . كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد . الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض , وويل للكافرين من عذاب شديد . الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة , ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا , أولئك في ضلال بعيد . وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم , فيضل الله من يشاء , ويهدي من يشاء , وهو العزيز الحكيم*. .

ألف لام . را . .*كتاب أنزلناه إليك*. .

هذا الكتاب المؤلف من جنس هذه الأحرف كتاب أنزلناه إليك . لم تنشئه أنت . أنزلناه إليك لغاية:

*لتخرج الناس من الظلمات إلى النور*. .

لتخرج هذه البشرية من الظلمات . ظلمات الوهم والخرافة . وظلمات الأوضاع والتقاليد . وظلمات الحيرة في تيه الأرباب المتفرقة , وفي اضطراب التصورات والقيم والموازين . . لتخرج البشرية من هذه الظلمات كلها إلى النور . النور الذي يكشف هذه الظلمات . يكشفها في عالم الضمير وفي دنيا التفكير . ثم يكشفها في واقع الحياة والقيم والأوضاع والتقاليد .

والإيمان بالله نور يشرق في القلب , فيشرق به هذا الكيان البشري , المركب من الطينة الغليظة ومن نفخة روح الله . فإذا ما خلا من إشراق هذه النفخة , وإذا ما طمست فيه هذه الإشراقة استحال طينة معتمة . طينة من لحم ودم كالبهيمة , فاللحم والدم وحدهما من جنس طينة الأرض ومادتها . لولا تلك الإشراقة التي تنتفض فيه من روح الله , يرقرقها الإيمان ويجلوها , ويطلقها تشف في هذا الكيان المعتم , ويشف بها هذا الكيان المعتم .

والإيمان بالله نور تشرق به النفس , فترى الطريق . ترى الطريق واضحة إلى الله , لا يشوبها غبش ولا يحجبها ضباب . غبش الأوهام وضباب الخرافات . أو غبش الشهوات وضباب الأطماع . ومتى رأت الطريق سارت على هدى لا تتعثر ولا تضطرب ولا تتردد ولا تحتار .

والإيمان بالله نور تشرق به الحياة . فإذا الناس كلهم عباد متساوون . تربط بينهم آصرتهم في الله وتتمحض دينونتهم له دون سواه , فلا ينقسمون إلى عبيد وطغاة . وتربطهم بالكون كله رابطة المعرفة . معرفة الناموس المسير لهذا الكون وما فيه ومن فيه . فإذا هم في سلام مع الكون وما فيه ومن فيه .

والإيمان بالله نور . نور العدل . ونور الحرية . ونور المعرفة . ونور الأنس بجوار الله , والاطمئنان إلى عدله ورحمته وحكمته في السراء والضراء . ذلك الاطمئنان الذي يستتبع الصبر في الضراء والشكر في السراء على نور من إدراك الحكمة في البلاء .

والإيمان بالله وحده إلها وربا , منهج حياة كامل لا مجرد عقيدة تغمر الضمير وتسكب فيه النور . . منهج حياة يقوم على قاعدة العبودية لله وحده , والدينونة لربوبيته وحده , والتخلص من ربوبيات العبيد , والاستعلاء على حاكمية العبيد . .

وفي هذا المنهج من المواءمة مع الفطرة البشرية , ومع الحاجات الحقيقية لهذه الفطرة , ما يملأ الحياة سعادة ونور وطمأنينة وراحة . كما أن فيه من الاستقرار والثبات عاصما من التقلبات والتخبطات التي تتعرض لها المجتمعات التي تخضع لربوبية العبيد , وحاكمية العبيد , ومناهج العبيد في السياسة والحكم وفي الاقتصاد والاجتماع , وفي الخلق والسلوك , وفي العادات والتقاليد . . وذلك فوق صيانة هذا المنهج للطاقة البشرية أن تبذل في تأليه العبيد , والطبل والزمر للطواغيت !!!

وإن وراء هذا التعبير القصير: *لتخرج الناس من الظلمات إلى النور . .*لآفاقا بعيدة لحقائق ضخمة عميقة في عالم العقل والقلب . وفي عالم الحياة والواقع , لا يبلغها التعبير البشري ولكنه يشير

*لتخرج الناس من الظلمات إلى النور . . بإذن ربهم*. .

فليس في قدرة الرسول إلا البلاغ , وليس من وظيفته إلا البيان . أما إخراج الناس من الظلمات إلى النور , فإنما يتحقق بإذن الله , وفق سنته التي ارتضتها مشيئته , وما الرسول إلا رسول !

*لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم*. . *إلى صراط العزيز الحميد*. .

فالصراط بدل من النور . وصراط الله:طريقه , وسنته , وناموسه الذي يحكم الوجود وشريعته التي تحكم الحياة . والنور يهدي إلى هذا الصراط , أو النور هو الصراط . وهو أقوى في المعنى . فالنور المشرق في ذات النفس هو المشرق في ذات الكون . هو السنة . هو الناموس . هو الشريعة . والنفس التي تعيش في هذا النور لا تخطيء الإدراك ولا تخطيء التصور ولا تخطيء السلوك . فهي على صراط مستقيم . . *صراط العزيز الحميد*. . مالك القوة القاهر المسيطر المحمود المشكور .

والقوة تبرز هنا لتهديد من يكفرون , والحمد يبرز لتذكير من يشكرون . . ثم يعقبها التعريف بالله سبحانه . إنه مالك ما في السماوات وما في الأرض , الغني عن الناس , المسيطر على الكون وما فيه ومن فيه:

*الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض*. .

فمن خرج واهتدى فذاك . ولا يذكر عنه شيئا هنا , إنما يمضي السياق إلى تهديد الكافرين ينذرهم بالويل من عذاب شديد . جزاء كفرهم هذه النعمة . نعمة إرسال الرسول بالكتاب ليخرجهم من الظلمات إلى النور . وهي النعمة الكبرى التي لا يقوم لها شكر إنسان . فكيف بالكفران:

*وويل للكافرين من عذاب شديد*. .

ثم يكشف عن صفة تحمل معنى العلة لكفر الكافرين بنعمة الله التي يحملها رسوله الكريم:

*الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة*. . *ويصدون عن سبيل الله , ويبغونها عوجا , أولئك في ضلال بعيد*. .

فاستحباب الحياة الدنيا على الآخرة يصطدم بتكاليف الإيمان ; ويتعارض مع الاستقامة على الصراط . وليس الأمر كذلك حين تستحب الآخرة , لأنه عندئذ تصلح الدنيا , ويصبح المتاع بها معتدلا , ويراعى فيه وجه الله . فلا يقع التعارض بين استحباب الآخرة ومتاع هذه الحياة .

إن الذين يوجهون قلوبهم للآخرة , لا يخسرون متاع الحياة الدنيا - كما يقوم في الأخيلة المنحرفة . فصلاح الآخرة في الإسلام يقتضي صلاح هذه الدنيا . والإيمان بالله يقتضي حسن الخلافة في الأرض . وحسن الخلافة في الأرض هو استعمارها والتمتع بطيباتها . إنه لا تعطيل للحياة في الإسلام انتظارا للآخرة , ولكن تعمير للحياة بالحق والعدل والاستقامة ابتغاء رضوان الله , وتمهيدا للآخرة . . هذا هو الإسلام .

فأما الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة , فلا يملكون أن يصلوا إلى غاياتهم من الاستئثار بخيرات الأرض , ومن الكسب الحرام , ومن استغلال الناس وغشهم واستعبادهم . . لا يملكون أن يصلوا إلى غاياتهم هذه في نور الإيمان بالله , وفي ظل الاستقامة على هداه . ومن ثم يصدون عن سبيل الله . يصدون أنفسهم ويصدون الناس , ويبغونها عوجا لا استقامة فيها ولا عدالة . وحين يفلحون في صد أنفسهم وصد غيرهم عن سبيل الله , وحين يتخلصون من استقامة سبيله وعدالتها , فعندئذ فقط يملكون أن يظلموا وأن يطغوا وأن

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *4* وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ *5* وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ *6* وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ *7*

يغشوا وأن يخدعوا وأن يغروا الناس بالفساد , فيتم لهم الحصول على ما يبغونه من الاستئثار بخيرات الأرض , والكسب الحرام , والمتاع المرذول , والكبرياء في الأرض , وتعبيد الناس بلا مقاومة ولا استنكار

إن منهج الإيمان ضمانة للحياة وضمانة للأحياء من أثرة الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة , واستئثارهم بخيرات هذه الحياة .

*وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم*. .

وهذه نعمة شاملة للبشر في كل رسالة . فلكي يتمكن الرسول من إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم , لم يكن بد من أن يرسل بلغتهم , ليبين لهم وليفهموا عنه , فتتم الغاية من الرسالة .

وقد أرسل النبي [ ص ] بلسان قومه - وإن كان رسولا إلى الناس كافة - لأن قومه هم الذين سيحملون رسالته إلى كافة البشر . وعمره [ ص ] محدود . وقد أمر ليدعو قومه أولا حتى تخلص الجزيرة العربية للإسلام . ومن ثم تكون مهدا يخرج منه حملة رسالة محمد إلى سائر بقاع الأرض . والذي حدث بالفعل - وهو من تقدير الله العليم الخبير - أن اختير الرسول إلى جوار ربه عند انتهاء الإسلام إلى آخر حدود الجزيرة , وبعث جيش أسامة إلى أطراف الجزيرة , الذي توفي الرسول [ ص ] ولم يتحرك بعد . . وحقيقة إن الرسول قد بعث برسائله إلى خارج الجزيرة يدعو إلى الإسلام , تصديقا لرسالته إلى الناس كافة . ولكن الذي قدره الله له , والذي يتفق مع طبيعة العمر البشري المحدود , أن يبلغ الرسول [ ص ] قومه بلسانهم , وأن تتم رسالته إلى البشر كافة عن طريق حملة هذه الرسالة إلى الأصقاع . . وقد كان . . فلا تعارض بين رسالته للناس كافة , ورسالته بلسان قومه , في تقدير الله , وفي واقع الحياة .

*وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم*. . *فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء*. .

إذ تنتهي مهمة الرسول - كل رسول - عند البيان . أما ما يترتب عليه من هدى ومن ضلال , فلا قدرة له عليه , وليس خاضعا لرغبته , إنما هو من شأن الله . وضع له سنة ارتضتها مشيئته المطلقة . فمن سار على درب الضلال ضل , ومن سار على درب الهدى وصل . . هذا وذلك يتبع مشيئة الله , التي شرعت سنته في الحياة .

*وهو العزيز الحكيم*. .

القادر على تصريف الناس والحياة , يصرفهم بحكمة وتقدير فليست الأمور متروكة جزافا بلا توجيه ولا تدبير .

الدرس الثاني:5 - 8 طرف من قصة موسى مع بني إسرائيل

وكذلك كانت رسالة موسى . بلسان قومه .

*ولقد أرسلنا موسى بآياتنا:أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور , وذكرهم بأيام الله . إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور . وإذ قال موسى لقومه:اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون , يسومونكم سوء العذاب , ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم , وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم . وإذ تأذن ربكم:لئن شكرتم لأزيدنكم , ولئن كفرتم إن عذابي لشديد . وقال موسى:إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد*. .

والتعبير يوحد بين صيغة الأمر الصادر لموسى والصادر لمحمد - عليهما صلاة الله وسلامه - تمشيا مع نسق الأداء في السورة - وقد تحدثنا عنه آنفا - فإذا الأمر هناك:

*لتخرج الناس من الظلمات إلى النور*. .

والأمر هنا:

*أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور*. .

الأولى للناس كافة والثانية لقوم موسى خاصة , ولكن الغاية واحدة:

*أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور*. . *وذكرهم بأيام الله*.

وكل الأيام أيام الله . ولكن المقصود هنا أن يذكرهم بالأيام التي يبدو فيها للبشر أو لجماعة منهم أمر بارز أو خارق بالنعمة أو بالنقمة ; كما سيجيء في حكاية تذكير موسى لقومه . وقد ذكرهم بأيام لهم , وأيام لأقوام نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم . فهذه هي الأيام .

*إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور*. .

ففي هذه الأيام ما هو بؤسى فهو آية للصبر , وفيها ما هو نعمى فهو آية للشكر . والصبار الشكور هو الذي يدرك هذه الآيات , ويدرك ما وراءها , ويجد فيها عبرة له وعظة ; كما يجد فيها تسرية وتذكيرا .

وراح موسى يؤدي رسالته , ويذكر قومه:

*وإذ قال موسى لقومه:اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب , ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم , وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم*. .

إنه يذكرهم بنعمة الله عليهم . نعمة النجاة من سوء العذاب الذي كانوا يلقونه من آل فرعون , يسامونه سوما , أي يوالون به ويتابعون , فلا يفتر عنهم ولا ينقطع . ومن ألوانه البارزة تذبيح الذكور من الأولاد واستحياء الإناث , منعا لتكاثر القوة المانعة فيهم واستبقاء لضعفهم وذلهم . فإنجاء الله لهم من هذه الحال نعمة تذكر . وتذكر لتشكر .

*وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم*. .

بلاء بالعذاب أولا , لامتحان الصبر والتماسك والمقاومة والعزم على الخلاص والعمل له . فليس الصبر هو احتمال الذل والعذاب وكفى . ولكن الصبر هو احتمال العذاب بلا تضعضع ولا هزيمة روحية , واستمرار العزم على الخلاص , والاستعداد للوقوف في وجه الظلم والطغيان . وإلا فما فهو صبر مشكور ذلك الاستسلام للذل والهوان . . وبلاء بالنجاة ثانيا لامتحان الشكر , والاعتراف بنعمة الله , والاستقامة على الهدى في مقابل النجاة .

ويمضي موسى في البيان لقومه . بعد ما ذكرهم بأيامه . ووجههم إلى الغاية من العذاب والنجاة . وهي الصبر للعذاب والشكر للنجاة . . يمضي ليبين لهم ما رتبه الله جزاء على الشكر والكفران:

*وإذ تأذن ربكم:لئن شكرتم لأزيدنكم , ولئن كفرتم إن عذابي لشديد*. .

ونقف نحن أمام هذه الحقيقة الكبيرة:حقيقة زيادة النعمة بالشكر , والعذاب الشديد على الكفر .

نقف نحن أمام هذه الحقيقة تطمئن إليها قلوبنا أول وهلة لأنها وعد من الله صادق . فلا بد أن يتحقق

وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ *8*

على أية حال . . فإذا أردنا أن نرى مصداقها في الحياة , ونبحث عن أسبابه المدركة لنا , فإننا لا نبعد كثيرا في تلمس الأسباب .

إن شكر النعمة دليل على استقامة المقاييس في النفس البشرية . فالخير يشكر لأن الشكر هو جزاؤه الطبيعي في الفطرة المستقيمة . .

هذه واحدة . . والأخرى أن النفس التي تشكر الله على نعمته , تراقبه في التصرف بهذه النعمة . بلا بطر , وبلا استعلاء على الخلق , وبلا استخدام للنعمة في الأذى والشر والدنس والفساد .

وهذه وتلك مما يزكي النفس , ويدفعها للعمل الصالح , وللتصرف الصالح في النعمة بما ينميها ويبارك فيها ; ويرضي الناس عنها وعن صاحبها , فيكونون له عونا ; ويصلح روابط المجتمع فتنمو فيه الثروات في أمان . إلى آخر الأسباب الطبيعية الظاهرة لنا في الحياة . وإن كان وعد الله بذاته يكفي لاطمئنان المؤمن , أدرك الأسباب أو لم يدركها , فهو حق واقع لأنه وعد الله .

والكفر بنعمة الله قد يكون بعدم شكرها . أو بإنكار أن الله واهبها , ونسبتها إلى العلم والخبرة والكد الشخصي والسعي ! كأن هذه الطاقات ليست نعمة من نعم الله ! وقد يكون بسوء استخدامها بالبطر والكبر على الناس واستغلالها للشهوات والفساد . . وكله كفر بنعمة الله . .

والعذاب الشديد قد يتضمن محق النعمة . عينا بذهابها . أو سحق آثارها في الشعور . فكم من نعمة تكون بذاتها نقمة يشقى بها صاحبها ويحسد الخالين ! وقد يكون عذابا مؤجلا إلى أجله في الدنيا أو في الآخرة كما يشاء الله . ولكنه واقع لأن الكفر بنعمة الله لا يمضي بلا جزاء .

ذلك الشكر لا تعود على الله عائدته . وهذا الكفر لا يرجع على الله أثره . فالله غني بذاته محمود بذاته , لا بحمد الناس وشكرهم على عطاياه .

*وقال موسى:إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد*. .

إنما هو صلاح الحياة يتحقق بالشكر , ونفوس الناس تزكو بالاتجاه إلى الله , وتستقيم بشكر الخير , وتطمئن إلى الاتصال بالمنعم , فلا تخشى نفاذ النعمة وذهابها , ولا تذهب حسرات وراء ما ينفق أو يضيع منها . فالمنعم موجود , والنعمة بشكره تزكو وتزيد .

الدرس الثالث:9 - 17 الصراع بين الرسل وأعدائهم والنهاية السوداء لكل جبار عنيد

ويستمر موسى في بيانه وتذكيره لقومه . ولكنه يتوارى عن المشهد لتبرز المعركة الكبرى بين أمة الأنبياء والجاهليات المكذبة بالرسل والرسالات . وذلك من بدائع الأداء في القرآن , لإحياء المشاهد , ونقلها من حكاية تروى إلى مشهد ينظر ويسمع , وتتحرك فيه الشخوص , وتتجلى فيه السمات والانفعالات . .

والآن إلى الساحة الكبرى التي يتلاشى فيها الزمان والمكان:

*ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم , قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ? جاءتهم رسلهم بالبينات , فردوا أيديهم في أفواههم , وقالوا:إنا كفرنا بما أرسلتم به , وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب*. هذا التذكير من قول موسى . ولكن السياق منذ الآن يجعل موسى يتوارى ليستمر في عرض قصة الرسل والرسالات في جميع أزمانها . قصة الرسل والرسالات وحقيقتها في مواجهة الجاهلية , وعاقبة المكذبين بها

أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ *9*

على اختلاف الزمان والمكان . . وكأن موسى "راوية " يبدأ بالإشارة إلى أحداث الرواية الكبرى . ثم يدع أبطالها يتحدثون بعد ذلك ويتصرفون . . وهي طريقة من طرق العرض للقصة في القرآن , تحول القصة المحكية إلى رواية حية كما أسلفنا . وهنا نشهد الرسل الكرام في موكب الإيمان , يواجهون البشرية متجمعة في جاهليتها . حيث تتوارى الفواصل بين أجيالها وأقوامها . وتبرز الحقائق الكبرى مجردة عن الزمان والمكان . كما هي في حقيقة الوجود خلف حواجز الزمان والمكان:

*ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم:قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ?*. .

فهم كثير إذن , وهناك غير من جاء ذكرهم في القرآن . ما بين ثمود وقوم موسى . والسياق هنا لا يعني بتفصيل أمرهم , فهناك وحدة في دعوة الرسل ووحدة فيما قوبلت به:

*جاءتهم رسلهم بالبينات*. .

الواضحات التي لا يلتبس أمرها على الإدراك السليم .

*فردوا أيديهم في أفواههم , وقالوا:إنا كفرنا بما أرسلتم به ; وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب*. .

ردوا أيديهم في أفواههم كما يفعل من يريد تمويج الصوت ليسمع عن بعد , بتحريك كفه أمام فمه وهو يرفع صوته ذهابا وإيابا فيتموج الصوت ويسمع . يرسم السياق هذه الحركة التي تدل على جهرهم بالتكذيب والشك , وإفحاشهم في هذا الجهر , وإتيانهم بهذه الحركة الغليظة التي لا أدب فيها ولا ذوق , إمعانا منهم في الجهر بالكفر .

ولما كان الذي يدعوهم إليه رسلهم هو الاعتقاد بألوهية الله وحده , وربوبيته للبشر بلا شريك من عباده . . فإن الشك في هذه الحقيقة الناطقة التي تدركها الفطرة , وتدل عليها آيات الله المبثوثة في ظاهر الكون المتجلية في صفحاته , يبدو مستنكرا قبيحا , وقد استنكر الرسل هذا الشك . والسماوات والأرض شاهدان .

*قالت رسلهم:أفي الله شك فاطر السماوات والأرض ?*. .

أفي الله شك والسماوات والأرض تنطقان للفطرة بأن الله أبدعهما إبداعا وأنشأهما إنشاء ? قالت رسلهم هذا القول , لأن السماوات والأرض آيتان هائلتان بارزتان , فمجرد الإشارة إليهما يكفي , ويرد الشارد إلى الرشد سريعا , ولم يزيدوا على الإشارة شيئا لأنها وحدها تكفي ; ثم أخذوا يعددون نعم الله على البشر في دعوتهم إلى الإيمان , وفي إمهالهم إلى أجل يتدبرون فيه ويتقون العذاب:

*أفي الله شك فاطر السماوات والأرض . يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم*.

والدعوة أصلا دعوة إلى الإيمان , المؤدي إلى المغفرة . ولكن السياق يجعل الدعوة مباشرة للمغفرة , لتتجلى نعمة الله ومنته . وعندئذ يبدو عجيبا أن يدعى قوم إلى المغفرة فيكون هذا تلقيهم للدعوة !

*يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم*. . *ويؤخركم إلى أجل مسمى*. .

فهو - سبحانه - مع الدعوة للمغفرة لا يعجلكم بالإيمان فور الدعوة , ولا يأخذكم بالعذاب فور التكذيب . إنما يمن عليكم منة أخرى فيؤخركم إلى أجل مسمى . إما في هذه الدنيا وإما إلى يوم الحساب , ترجعون فيه إلى نفوسكم , وتتدبرون آيات الله وبيان رسلكم . وهي رحمة وسماحة تحسبان في باب النعم . . فهل هذا هو جواب دعوة الله الرحيم المنان

قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَـمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ *10* قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ *11*

هنا يرجع القوم في جهالتهم إلى ذلك الاعتراض الجهول:

*قالوا:إن أنتم إلا بشر مثلنا , تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا*. .

وبدلا من أن يعتز البشر باختيار الله لواحد منهم ليحمل رسالته , فإنهم لجهالتهم ينكرون هذا الاختيار , ويجعلونه مثار ريبة في الرسل المختارين ; ويعللون دعوة رسلهم لهم بأنها رغبة في تحويلهم عما كان يعبد آباؤهم . ولا يسألون أنفسهم:لماذا يرغب الرسل في تحويلهم ?! وبطبيعة الجمود العقلي الذي تطبعه الوثنيات في العقول لا يفكرون فيما كان يعبد آباؤهم:ما قيمته ? ما حقيقته ? ماذا يساوي في معرض النقد والتفكير ?! وبطبيعة الجمود العقلي كذلك لا يفكرون في الدعوة الجديدة , إنما يطلبون خارقة ترغمهم على التصديق:

*فأتونا بسلطان مبين*. .

ويرد الرسل . . لا ينكرون بشريتهم بل يقررونها , ولكنهم يوجهون الأنظار إلى منة الله في اختيار رسل من البشر , وفي منحهم ما يؤهلهم لحمل الأمانة الكبرى:

*قالت لهم رسلهم:إن نحن إلا بشر مثلكم . ولكن الله يمن على من يشاء من عباده*. .

ويذكر السياق لفظ*يمن*تنسيقا للحوار مع جو السورة . جو الحديث عن نعم الله . ومنها هذه المنة على من يشاء من عباده . وهي منة ضخمة لا على أشخاص الرسل وحدهم . ولكن كذلك على البشرية التي تشرف بانتخاب أفراد منها لهذه المهمة العظمى . مهمة الاتصال والتلقي من الملأ الأعلى . وهي منة على البشرية بتذكير الفطرة التي ران عليها الركام لتخرج من الظلمات إلى النور ; ولتتحرك فيها أجهزة الاستقبال والتلقي فتخرج من الموت الراكد إلى الحياة المتفتحة . . ثم هي المنة الكبرى على البشرية بإخراج الناس من الدينونة للعباد إلى الدينونة لله وحده بلا شريك ; واستنقاذ كرامتهم وطاقتهم من الذل والتبدد في الدينونة للعبيد . . الذل الذي يحني هامة إنسان لعبد مثله ! والتبدد الذي يسخر طاقة إنسان لتأليه عبد مثله !

فأما حكاية الإتيان بسلطان مبين , وقوة خارقة , فالرسل يبينون لقومهم أنها من شأن الله . ليفرقوا في مداركهم المبهمة المظلمة بين ذات الله الإلهية , وذواتهم هم البشرية , وليمحصوا صورة التوحيد المطلق الذي لا يلتبس بمشابهة في ذات ولا صفة , وهي المتاهة التي تاهت فيها الوثنيات كما تاهت فيها التصورات الكنسية في المسيحية عندما تلبست بالوثنيات الإغريقية والرومانية والمصرية والهندية . وكانت نقطة البدء في المتاهة هي نسبة الخوارق إلى عيسى - عليه السلام - بذاته واللبس بين ألوهية الله وعبودية عيسى عليه السلام !

*وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله*. .

وما نعتمد على قوة غير قوته:

*وعلى الله فليتوكل المؤمنون*. .

يطلقها الرسل حقيقة دائمة . فعلى الله وحده يتوكل المؤمن , لا يتلفت قلبه إلى سواه , ولا يرجو عونا إلا منه , ولا يرتكن إلا إلى حماه .

ثم يواجهون الطغيان بالإيمان , ويواجهون الأذى بالثبات ; ويسألون للتقرير والتوكيد:

*وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ? ولنصبرن على ما آذيتمونا , وعلى الله فليتوكل المتوكلون*. .

*وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا*. .

إنها كلمة المطمئن إلى موقفه وطريقه . المالئ يديه من وليه وناصره . المؤمن بأن الله الذي يهدي السبيل لا بد

وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ *12*

أن ينصر وأن يعين . وماذا يهم حتى ولو لم يتم في الحياة الدنيا نصر إذا كان العبد قد ضمن هداية السبيل ? والقلب الذي يحس أن يد الله - سبحانه - تقود خطاه , وتهديه السبيل , هو قلب موصول بالله لا يخطئ الشعور بوجوده - سبحانه - وألوهيته القاهرة المسيطرة ; وهو شعور لا مجال معه للتردد في المضي في الطريق , أيا كانت العقبات في الطريق , وأيا كانت قوى الطاغوت التي تتربص في هذا الطريق . ومن ثم هذا الربط في رد الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - بين شعورهم بهداية الله لهم وبين توكلهم عليه في مواجهة التهديد السافر من الطواغيت ; ثم إصرارهم على المضي في طريقهم في وجه هذا التهديد .

وهذه الحقيقة - حقيقة الارتباط في قلب المؤمن بين شعوره بهداية الله وبين بديهية التوكل عليه - لا تستشعرها إلا القلوب التي تزاول الحركة فعلا في مواجهة طاغوت الجاهلية ; والتي تستشعر في أعماقها يد الله - سبحانه - وهي تفتح لها كوى النور فتبصر الآفاق المشرقة وتستروح أنسام الإيمان والمعرفة , وتحس الأنس والقربى . . وحينئذ لا تحفل بما يتوعدها به طواغيت الأرض ; ولا تملك أن تستجيب للإغراء ولا للتهديد ; وهي تحتقر طواغيت الأرض وما في أيديهم من وسائل البطش والتنكيل . وماذا يخاف القلب الموصول بالله على هذا النحو ? وماذا يخيفه من أولئك العبيد ?!

*وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا*. .

*ولنصبرن على ما آذيتمونا*.

لنصبرن , لا نتزحزح ولا نضعف ولا نتراجع ولا نهن ; ولا نتزعزع ولا نشك ولا نفرط ولا نحيد . .

*وعلى الله فليتوكل المتوكلون*. .

وهنا يسفر الطغيان عن وجهه . لا يجادل ولا يناقش ولايفكر ولا يتعقل , لأنه يحس بهزيمته أمام انتصار العقيدة , فيسفر بالقوة المادية الغليظة التي لا يملك غيرها المتجبرون:

*وقال الذين كفروا لرسلهم:لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا*!

هنا تتجلى حقيقة المعركة وطبيعتها بين الإسلام والجاهلية . . إن الجاهلية لا ترضى من الإسلام أن يكون له كيان مستقل عنها . ولا تطيق أن يكون له وجود خارج عن وجودها . وهي لا تسالم الإسلام حتى لو سالمها . فالإسلام لا بد أن يبدو في صورة تجمع حركي مستقل بقيادة مستقلة وولاء مستقل , وهذا ما لا تطيقه الجاهلية . لذلك لا يطلب الذين كفروا من رسلهم مجرد أن يكفوا عن دعوتهم ; ولكن يطلبون منهم أن يعودوا في ملتهم , وأن يندمجوا في تجمعهم الجاهلي , وأن يذوبوا في مجتمعهم فلا يبقى لهم كيان مستقل . وهذا ما تأباه طبيعة هذا الدين لأهله , وما يرفضه الرسل من ثم ويأبونه , فما ينبغي لمسلم أن يندمج في التجمع الجاهلي مرة أخرى . .

وعندما تسفر القوة الغاشمة عن وجهها الصلد لا يبقى مجال لدعوة , ولا يبقى مجال لحجة ; ولا يسلم الله الرسل إلى الجاهلية .

إن التجمع الجاهلي - بطبيعة تركيبه العضوي - لا يسمح لعنصر مسلم أن يعمل من داخله , إلا أن يكون عمل المسلم وجهده وطاقته لحساب التجمع الجاهلي , ولتوطيد جاهليته ! والذين يخيل إليهم أنهم قادرون على العمل لدينهم من خلال التسرب في المجتمع الجاهلي , والتميع في تشكيلاته وأجهزته هم ناس لا يدركون الطبيعة العضوية للمجتمع . هذه الطبيعة التي ترغم كل فرد داخل المجتمع أن يعمل لحساب هذا المجتمع

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّـكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ *13* وَلَنُسْكِنَنَّـكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ *14* وَاسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ *15* مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ *16* يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ *17*

ولحساب منهجه وتصوره . . لذلك يرفض الرسل الكرام أن يعودوا في ملة قومهم بعد إذ نجاهم الله منها . .

وهنا تتدخل القوة الكبرى فتضرب ضربتها المدمرة القاضية التي لا تقف لها قوة البشر المهازيل , وإن كانوا طغاة متجبرين:

*فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين . ولنسكننكم الأرض من بعدهم . ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد*.

ولا بد أن ندرك أن تدخل القوة الكبرى للفصل بين الرسل وقومهم إنما يكون دائما بعد مفاصلة الرسل لقومهم . . بعد أن يرفض المسلمون أن يعودوا إلى ملة قومهم بعد إذ نجاهم الله منها . . وبعد أن يصروا على تميزهم بدينهم وبتجمعهم الإسلامي الخاص بقيادته الخاصة . وبعد أن يفاصلوا قومهم على أساس العقيدة فينقسم القوم الواحد إلى أمتين مختلفتين عقيدة ومنهجا وقيادة وتجمعا . . عندئذ تتدخل القوة الكبرى لتضرب ضربتها الفاصلة , ولتدمر على الطواغيت الذين يتهددون المؤمنين , ولتمكن للمؤمنين في الأرض , ولتحقق وعد الله لرسله بالنصر والتمكين . . . ولا يكون هذا التدخل أبدا والمسلمون متميعون في المجتمع الجاهلي , عاملون من خلال أوضاعه وتشكيلاته , غير منفصلين عنه ولا متميزين بتجمع حركي مستقل وقيادة إسلامية مستقلة . .

*فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين*. .

نون العظمة ونون التوكيد . . كلتاهما ذات ظل وإيقاع في هذا الموقف الشديد . لنهلكن المتجبرين المهددين , المشركين الظالمين لأنفسهم وللحق وللرسل وللناس بهذا التهديد . .

*ولنسكننكم الأرض من بعدهم*. .

لا محاباة ولا جزافا , إنما هي السنة الجارية العادلة:

*ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد*. .

ذلك الإسكان والاستخلاف لمن خاف مقامي , فلم يتطاول ولم يتعال ولم يستكبر ولم يتجبر . وخاف وعيد , فحسب حسابه , واتقى أسبابه , فلم يفسد في الأرض , ولم يظلم في الناس . فهو من ثم يستحق الاستخلاف , ويناله باستحقاق .

وهكذا تلتقي القوة الصغيرة الهزيلة - قوة الطغاة الظالمين - بالقوة الجبارة الطامة - قوة الجبار المهيمن المتكبر - فقد انتهت مهمة الرسل عند البلاغ المبين والمفاصلة التي تميز المؤمنين من المكذبين .

ووقف الطغاة المتجبرون بقوتهم الهزيلة الضئيلة في صف , ووقف الرسل الداعون المتواضعون ومعهم قوة الله - سبحانه - في صف . ودعا كلاهما بالنصر والفتح . . وكانت العاقبة كما يجب أن تكون:

*واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد . من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد . يتجرعه ولا يكاد يسيغه , ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت , ومن ورائه عذاب غليظ*. .

والمشهد هنا عجيب . إنه مشهد الخيبة لكل جبار عنيد . مشهد الخيبة في هذه الأرض . ولكنه يقف هذا الموقف , ومن ورائه تخايل جهنم وصورته فيها , وهو يسقى من الصديد السائل من الجسوم . يسقاه بعنف فيتجرعه غصبا وكرها , ولا يكاد يسيغه , لقذارته ومرارته , والتقزز والتكره باديان نكاد نلمحها من خلال الكلمات ! ويأتيه الموت بأسبابه المحيطة به من كل مكان , ولكنه لا يموت , ليستكمل عذابه . ومن ورائه عذاب غليظ . .

مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ *18*

إنه مشهد عجيب , يرسم الجبار الخائب المهزوم ووراءه مصيره يخايل له على هذا النحو المروع الفظيع . وتشترك كلمة*غليظ*في تفظيع المشهد , تنسيقا له مع القوة الغاشمة التي كانوا يهددون بها دعاة الحق والخير والصلاح واليقين .

الدرس الرابع:18 - 20 صورة عن خسارة الكفار وقدرة الله المطلقة

وفي ظل هذا المصير يجيء التعقيب مثلا مصورا في مشهد يضرب الذين كفروا , ولفتة إلى قدرة الله على أن يذهب المكذبين ويأتي بخلق جديد . . ذلك قبل أن يتابع مشاهد الرواية في الساحة الأخرى , وقد أسدل الستار على فصلها الأخير في هذه الأرض , مخايلا بالساحة الأخرى:

*مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف . لا يقدرون مما كسبوا على شيء . ذلك هو الضلال البعيد*. .

ومشهد الرماد تشتد به الريح في يوم عاصف مشهود معهود , يجسم به السياق معنى ضياع الأعمال سدى , لا يقدر أصحابها على الإمساك بشيء منها , ولا الانتفاع به أصلا . يجسمه في هذا المشهد العاصف المتحرك , فيبلغ في تحريك المشاعر له ما لا يبلغه التعبير الذهني المجرد عن ضياع الأعمال وذهابها بددا .

هذا المشهد ينطوي على حقيقة ذاتية في أعمال الكفار . فالأعمال التي لا تقوم على قاعدة من الإيمان , ولا تمسكها العروة الوثقى التي تصل العمل بالباعث , وتصل الباعث بالله . . مفككة كالهباء والرماد , لا قوام لها ولا نظام . فليس المعول عليه هو العمل , ولكن باعث العمل . فالعمل حركة آلية لا يفترق فيها الإنسان عن الآلة إلا بالباعث والقصد والغاية .

وهكذا يلتقي المشهد المصور مع الحقيقة العميقة , وهو يؤدي المعنى في أسلوب مشوق موح مؤثر . ويلتقي معها التعقيب:

*ذلك هو الضلال البعيد*. .

فهو تعقيب يتفق ظله مع ظل الرماد المتطاير في يوم عاصف . . إلى بعيد !!

ثم يلتقي مع مشهد الرماد المتطاير ظل آخر في الآية التالية , التي يلتفت فيها السياق من مصائر المكذبين السابقين إلى المكذبين من قريش , يهددهم بإذهابهم والإتيان بخلق جديد:

*ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق . إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد . وما ذلك على الله بعزيز*. .

والانتقال من حديث الإيمان والكفر , ومن قضية الرسل والجاهلية إلى مشهد السماوات والأرض . . هو انتقال طبيعي في المنهج القرآني كما أنه انتقال طبيعي في مشاعر الفطرة البشرية يدل على ربانية هذا المنهج القرآني . .

إن بين فطرة الكائن الإنساني وبين هذا الكون لغة سرية مفهومة ! . . إن فطرته تتلاقى مباشرة مع السر الكامن وراء هذا الكون بمجرد الاتجاه إليه والتقاط إيقاعاته ودلالاته !

والذين يرون هذا الكون ثم لا تسمع فطرتهم هذه الإيقاعات وهذه الإيحاءات هم أفراد معطلو الفطرة . في كيانهم خلل تعطلت به أجهزة الاستقبال الفطرية . كما تصاب الحواس بالتعطل نتيجة لآفة تصيبها . . كما تصاب العين بالعمى , والأذن بالصم , واللسان بالبكم ! . . إنهم أجهزة تالفة لا تصلح للتلقي ; ومن باب

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحقِّ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ *19* وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ *20*

أولى لا تصلح للقيادة والزعامة ! . . ومن هؤلاء كل أصحاب التفكير المادي - الذي يسمونه "المذاهب العلمية " كذبا وافتراء . . إن العلم لا يتفق مع تعطل أجهزة الاستقبال الفطرية وفساد أجهزة الاتصال الإنسانية بالكون كله ! إنهم الذين يسميهم القرآن بالعمي . . وما يمكن أن تقام الحياة الإنسانية على مذهب أو رأي أو نظام يراه أعمى !!!

إن خلق السماوات والأرض بالحق يوحي بالقدرة كما يوحي بالثبات . فالحق ثابت مستقر حتى في جرسه اللفظي . . ذلك في مقابل الرماد المتطاير إلى بعيد . وفي مقابل الضلال البعيد .

وفي ضوء مصير المعاندين الجبارين في معركة الحق والباطل يجيء التهديد:

*إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد*. .

والقادر على خلق السماوات والأرض , قادر على استخلاف جنس غير هذا الجنس في الأرض . واستخلاف قوم مكان قوم من أقوام هذا الجنس . وظل الذهاب بالقوم يتسق من بعيد مع ظل الرماد المتطاير الذاهب إلى الفناء .

*وما ذلك على الله بعزبز*. .

وخلق السماوات والأرض شاهد . ومصارع المكذبين من قبل شاهدة . والرماد المتطاير شاهد من بعيد ! ألا إنه الإعجاز في تنسيق المشاهد والصور والظلال في هذا القرآن !

الدرس الخامس:21 - 23 مشهد ذل وخزي الضعفاء والمستكبرين يوم القيامة

ثم نرقي إلى أفق آخر من آفاق الإعجاز في التصوير والأداء والتنسيق . فلقد كنا منذ لحظة مع الجبارين المعاندين . ولقد خاب كل جبار عنيد . وكانت صورته في جهنم تخايل له من ورائه وهو بعد في الدنيا . فالآن نجدهم هناك , حيث يتابع السياق خطواته بالرواية الكبرى - رواية البشرية ورسلها - في المشهد الأخير . وهو مشهد من أعجب مشاهد القيامة وأحفلها بالحركة والانفعال والحوار بين الضعفاء والمستكبرين . وبين الشيطان والجميع:

*وبرزوا لله جميعا - فقال الضعفاء للذين استكبروا:إنا كنا لكم تبعا . فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء ? قالوا ; لو هدانا الله لهديناكم . سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص . وقال الشيطان لما قضي الأمر:إن الله وعدكم وعد الحق , ووعدتكم فأخلفتكم ; وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي . فلا تلوموني ولوموا أنفسكم , ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي . إني كفرت بما أشركتمون من قبل . إن الظالمين لهم عذاب أليم .*

*وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار , خالدين فيها بإذن ربهم , تحيتهم فيها سلام*.

لقد انتقلت الرواية . . رواية الدعوة والدعاة , والمكذبين والطغاة . . انتقلت من مسرح الدنيا إلى مسرح الآخرة:

*وبرزوا لله جميعا*. .

الطغاة المكذبون وأتباعهم من الضعفاء المستذلين . ومعهم الشيطان . . ثم الذين آمنوا بالرسل وعملوا الصالحات . . برزوا*جميعا*مكشوفين . وهم مكشوفون لله دائما . ولكنهم الساعة يعلمون ويحسون أنهم مكشوفون

وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ *21* وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *22*

لا يحجبهم حجاب , ولا يسترهم ساتر , ولا يقيهم واق . . برزوا وامتلأت الساحة ورفع الستار , وبدأ الحوار:

*فقال الضعفاء للذين استكبروا:إنا كنا لكم تبعا . فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء ?*. .

والضعفاء هم الضعفاء . هم الذين تنازلوا عن أخص خصائص الإنسان الكريم على الله حين تنازلوا عن حريتهم الشخصية في التفكير والاعتقاد والاتجاه ; وجعلوا أنفسهم تبعا للمستكبرين والطغاة . ودانوا لغير الله من عبيده واختاروها على الدينونة لله . والضعف ليس عذرا , بل هو الجريمة ; فما يريد الله لأحد أن يكون ضعيفا , وهو يدعو الناس كلهم إلى حماه يعتزون به والعزة لله . وما يريد الله لأحد أن ينزل طائعا عن نصيبه في الحرية - التي هي ميزته ومناط تكريمه - أو أن ينزل كارها . والقوة المادية - كائنة ما كانت - لا تملك أن تستعبد إنسانا يريد الحرية , ويستمسك بكرامته الآدمية . فقصارى ما تملكه تلك القوة أن تملك الجسد , تؤذيه وتعذبه وتكبله وتحبسه . اما الضمير . أما الروح . أما العقل . فلا يملك أحد حبسها ولا استذلالها , إلا أن يسلمها صاحبها للحبس والإذلال !

من ذا الذي يملك أن يجعل أولئك الضعفاء تبعا للمستكبرين في العقيدة , وفي التفكير , وفي السلوك ? من ذا الذي يملك أن يجعل أولئك الضعفاء يدينون لغير الله , والله هو خالقهم ورازقهم وكافلهم دون سواه ? لا أحد . لا أحد إلا أنفسهم الضعيفة . فهم ضعفاء لا لأنهم أقل قوة مادية من الطغاة , ولا لأنهم أقل جاها أو مالا أو منصبا أو مقاما . . كلا , إن هذه كلها أعراض خارجية لا تعد بذاتها ضعفا يلحق صفة الضعف بالضعفاء . . إنما هم ضعفاء لأن الضعف في أرواحهم وفي قلوبهم وفي نخوتهم وفي اعتزازهم بأخص خصائص الإنسان !

إن المستضعفين كثرة , والطواغيت قلة . فمن ذا الذي يخضع الكثرة للقلة ? وماذا الذي يخضعها ? إنما يخضعها ضعف الروح , وسقوط الهمة , وقلة النخوة , والتنازل الداخلي عن الكرامة التي وهبها الله لبني الإنسان !

إن الطغاة لا يملكون أن يستذلوا الجماهير إلا برغبة هذه الجماهير . فهي دائما قادرة على الوقوف لهم لو أرادت . فالإرادة هي التي تنقص هذه القطعان !

إن الذل لا ينشأ إلا عن قابلية للذل في نفوس الأذلاء . . وهذه القابلية هي وحدها التي يعتمد عليها الطغاة !!

والأذلاء هنا على مسرح الآخرة في ضعفهم وتبعيتهم للذين استكبروا يسألونهم:

*إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء*? .

وقد اتبعناكم فانتهينا إلى هذا المصير الأليم ?!

أم لعلهم وقد رأوا العذاب يهمون بتأنيب المستكبرين على قيادتهم لهم هذه القيادة , وتعريضهم إياهم للعذاب ? إن السياق يحكي قولهم وعليه طابع الذلة على كل حال !

ويرد الذين استكبروا على ذلك السؤال:

*قالوا:لو هدانا الله لهديناكم ! سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص !*. .

وهو رد يبدو فيه البرم والضيق:

*لو هدانا الله لهديناكم*. .

فعلام تلوموننا ونحن وإياكم في طريق واحد إلى مصير واحد ? إننا لم نهتد ونضللكم . ولو هدانا الله لقدناكم إلى الهدى معنا , كما قدناكم حين ضللنا إلى الضلال ! وهم ينسبون هداهم وضلالهم إلى الله . فيعترفون الساعة بقدرته وكانوا من قبل ينكرونه وينكرونها , ويستطيلون على الضعفاء استطالة من لا يحسب حسابا لقدرة القاهر الجبار . وهم إنما يتهربون من تبعة الضلال والإضلال برجع الأمر لله . . والله لا يأمر بالضلال كما قال سبحانه: إن الله لا يأمر بالفحشاء . . ثم هم يؤنبون الضعفاء من طرف خفي , فيعلنونهم بأن لاجدوى من الجزع كما أنه لا فائدة من الصبر . فقد حق العذاب , ولا راد له من صبر أو جزع , وفات الأوان الذي كان الجزع فيه من العذاب يجدي فيرد الضالين إلى الهدى ; وكان الصبر فيه على الشدة يجدي فتدركهم رحمة الله . لقد انتهى كل شيء , ولم يعد هنالك مفر ولا محيص:

*سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص*!

لقد قضي الأمر , وانتهى الجدل , وسكت الحوار . . وهنا نرى على المسرح عجبا ونرى الشيطان . . هاتف الغواية , وحادي الغواة . . نراه الساعة يلبس مسوح الكهان , أو مسوح الشيطان ! ويتشيطن على الضعفاء والمستكبرين سواء , بكلام ربما كان أقسى عليهم من العذاب:

*وقال الشيطان - لما قضي الأمر - إن الله وعدكم وعد الحق , ووعدتكم فأخلفتكم . وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي . فلا تلوموني ولوموا أنفسكم . ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي . إني كفرت بما أشركتمون من قبل . إن الظالمين لهم عذاب أليم .*

الله ! الله ! أما إن الشيطان حقا لشيطان ! وإن شخصيته لتبدو هنا على أتمها كما بدت شخصية الضعفاء وشخصية المستكبرين في هذا الحوار

إنه الشيطان الذي وسوس في الصدور , وأغرى بالعصيان , وزين الكفر , وصدهم عن استماع الدعوة . . هو هو الذي يقول لهم وهو يطعنهم طعنة أليمة نافذة , حيث لا يملكون أن يردوها عليه - وقد قضي الأمر - هو الذي يقول الآن , وبعد فوات الأوان:

*إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم !

ثم يخزهم وخزة أخرى بتعييرهم بالاستجابة له , وليس له عليهم من سلطان , سوى أنهم تخلوا عن شخصياتهم , ونسوا ما بينهم وبين الشيطان من عداء قديم , فاستجابوا لدعوته الباطلة وتركوا دعوة الحق من الله:

*وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي !

ثم يؤنبهم , ويدعوهم لتأنيب أنفسهم . يؤنبهم على أن أطاعوه !:

*فلا تلوموني ولوموا أنفسكم*!

ثم يخلي بهم , وينفض يده منهم , وهو الذي وعدهم من قبل ومناهم , ووسوس لهم أن لا غالب لهم ; فأما الساعة فما هو بملبيهم إذا صرخوا , كما أنهم لن ينجدوه إذا صرخ:

*ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي*. .

وما بيننا من صلة ولا ولاء !

ثم يبرأ من إشراكهم به ويكفر بهذا الإشراك:

*إني كفرت بما أشركتمون من قبل*!

ثم ينهي خطبته الشيطانية بالقاصمة يصبها على أوليائه:

وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ *23* أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء *24*

*إن الظالمين لهم عذاب أليم*!

فيا للشيطان ! ويا لهم من وليهم الذي هتف بهم إلى الغواية فأطاعوه , ودعاهم الرسل إلى الله فكذبوهم وجحدوه !

وقبل أن يسدل الستار نبصر على الضفة الأخرى بتلك الأمة المؤمنة , الأمة الفائزة , الأمة الناجية:

*وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار , خالدين فيها بإذن ربهم , تحيتهم فيها سلام*. .

ويسدل الستار . .

فيا له من مشهد ! ويا لها من خاتمة لقصة الدعوة والدعاة مع المكذبين والطغاة !

الدرس السادس:24 تمثيل الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة

وفي ظل هذه القصة بفصولها جميعا . في الدنيا حيث وقفت أمة الرسل في مواجهة الجاهلية الظالمة:

*واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد . من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد . يتجرعه ولا يكاد يسيغه , ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ*. .

وفي الآخرة حيث شاهدنا ذلك المشهد الفريد:مشهد الذين استكبروا والضعفاء والشيطان , مع ذلك الحوار العجيب . .

في ظل تلك القصة ومصائر الأمة الطيبة , والفرقة الخبيثة , يضرب الله مثل الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة , لتصوير سنته الجارية في الطيب والخبيث في هذه الحياة , فتكون خاتمة كتعليق الراوية على الرواية بعد إسدال الستار:

*ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة , أصلها ثابت وفرعها في السماء , تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها , ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون . ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار . .*

*يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ; ويضل الله الظالمين ; ويفعل الله ما يشاء*. .

إن مشهد الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء . . والكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة , اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار . . هو مشهد مأخوذ من جو السياق , ومن قصة النبيين والمكذبين , ومصير هؤلاء وهؤلاء بوجه خاص . وشجرة النبوة هنا وظل إبراهيم أبي الأنبياء عليها واضح , وهي تؤتي أكلها كل فترة , أكلا جنيا طيبا . . نبيا من الأنبياء . . يثمر إيمانا وخيرا وحيوية

ولكن المثل - بعد تناسقه مع جو السورة وجو القصة - أبعد من هذا آفاقا , وأعرض مساحة , وأعمق حقيقة .

إن الكلمة الطيبة - كلمة الحق - لكالشجرة الطيبة . ثابتة سامقة مثمرة . . ثابتة لا تزعزعها الأعاصير , ولا تعصف بها رياح الباطل ; ولا تقوى عليها معاول الطغيان - وإن خيل للبعض أنها معرضة للخطر الماحق في بعض الأحيان - سامقة متعالية , تطل على الشر والظلم والطغيان من عل - وإن خيل إلى البعض أحيانا أن الشر يزحمها في الفضاء - مثمرة لا ينقطع ثمرها , لأن بذورها تنبت في النفوس المتكاثرة آنا بعد آن . .

وإن الكلمة الخبيثة - كلمة الباطل - لكالشجرة الخبيثة ; قد تهيج وتتعالى وتتشابك ; ويخيل إلى بعض

تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ *25* وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ *26* يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ *27*

الناس أنها أضخم من الشجرة الطيبة وأقوى . ولكنها تظل نافشة هشة , وتظل جذورها في التربة قريبة حتى لكأنها على وجه الأرض . . وما هي إلا فترة ثم تجتث من فوق الأرض , فلا قرار لها ولا بقاء .

ليس هذا وذلك مجرد مثل يضرب , ولا مجرد عزاء للطيبين وتشجيع . إنما هو الواقع في الحياة , ولو أبطأ تحققه في بعض الأحيان .

والخير الأصيل لا يموت ولا يذوي . مهما زحمه الشر وأخذ عليه الطريق . . والشر كذلك لا يعيش إلا ريثما يستهلك بعض الخير المتلبس به - فقلما يوجد الشر الخالص - وعندما يستهلك ما يلابسه من الخير فلا تبقى فيه منه بقية , فإنه يتهالك ويتهشم مهما تضخم واستطال .

إن الخير بخير ! وإن الشر بشر !

*ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون*. .

فهي أمثال مصداقها واقع في الأرض , ولكن الناس كثيرا ما ينسونه في زحمة الحياة .

وفي ظل الشجرة الثابتة , التي يشارك التعبير في تصوير معنى الثبات وجوه , فيرسمها:أصلها ثابت مستقر في الأرض , وفرعها سامق ذاهب في الفضاء على مد البصر , قائم أمام العين يوحي بالقوة والثبات في ظل الشجرة الثابتة مثلا للكلمة الطيبة: *يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة*. . وفي ظل الشجرة الخبيثة المجتثة من فوق الأرض ما لها من قرار ولا ثبات: *ويضل الله الظالمين*. . فتتناسق ظلال التعبير وظلال المعاني كلها في السياق !

يثبت الله الذين آمنوا في الحياة الدنيا وفي الآخرة بكلمة الإيمان المستقرة في الضمائر , الثابتة في الفطر , المثمرة بالعمل الصالح المتجدد الباقي في الحياة . ويثبتهم بكلمات القرآن وكلمات الرسول ; وبوعده للحق بالنصر في الدنيا , والفوز في الآخرة . . وكلها كلمات ثابتة صادقة حقة , لا تتخلف ولا تتفرق بها السبل , ولا يمس أصحابها قلق ولا حيرة ولا اضطراب .

ويضل الله الظالمين بظلمهم وشركهم [ والظلم يكثر استعماله في السياق القرآني بمعنى الشرك ويغلب ] وبعدهم عن النور الهادي , واضطرابهم في تيه الظلمات والأوهام والخرافات واتباعهم مناهج وشرائع من الهوى لا من اختيار الله . . يضلهم وفق سنته التي تنتهي . بمن يظلم ويعمى عن النور ويخضع للهوى إلى الضلال والتيه والشرود .

*ويفعل الله ما يشاء*. .

بإرادته المطلقة , التي تختار الناموس , فلا تتقيد به ولكنها ترضاه . حتى تقتضي الحكمة تبديله فيتبدل في نطاق المشيئة التي لا تقف لها قوة , ولا يقوم في طريقها عائق ; والتي يتم كل أمر في الوجود وفق ما تشاء .

وبهذه الخاتمة يتم التعقيب على القصة الكبرى للرسالات والدعوات . وقد استغرقت الشطر الأول والأكبر من السورة المسماة باسم إبراهيم أبي الأنبياء , والشجرة الظليلة الوارفة المثمرة خير الثمرات , والكلمة الطيبة المتجددة في الأجيال المتعاقبة , تحتوي دائما على الحقيقة الكبرى . . حقيقة الرسالة الواحدة التي لا تتبدل , وحقيقة الدعوة الواحدة التي لا تتغير , وحقيقة التوحيد لله الواحد القهار .

تعقيب على الوحدة الأولى

والآن نقف وقفات قصيرة أمام الحقائق البارزة التي تعرضها قصة الرسل مع الجاهلية . وهي الحقائق التيأشرنا إليها إشارات سريعة في أثناء استعراض السياق القرآني , ونرى أنها تحتاج إلى وقفات أخرى أمامها مسقلة:

إننا نقف من هذه القصة على حقيقة أولية بارزة يقصها علينا الحكيم الخبير . . إن موكب الإيمان منذ فجر التاريخ الإنساني موكب واحد موصول , يقوده رسل الله الكرام , داعين بحقيقة واحدة , جاهرين بدعوة واحدة , سائرين على منهج واحد . . كلهم يدعو إلى ألوهية واحدة , وربوبية واحدة ; وكلهم لا يدعون مع الله أحدا , ولا يتوكل على أحد غيره , ولا يلجأ إلى ملجأ سواه , ولا يعرف له سندا إلا إياه .

وأمر الاعتقاد في الله الواحد - إذن - ليس كما يزعم "علماء الدين المقارن" أنه تطور وترقي من التعديد إلى التثنية إلى التوحيد ; ومن عبادة الطواطم والأرواح والنجوم والكواكب إلى عبادة الله الواحد ; وأنه تطور وترقى كذلك بتطور وترقي التجربة البشرية والعلم البشري , وبتطور وترقي الأنظمة السياسية وانتهائها إلى الأوضاع الموحدة تحت سلطان واحد . . .

إن الاعتقاد في الله الواحد جاءت به الرسالات منذ فجر التاريخ ; ولم تتغير هذه الحقيقة ولم تتبدل في رسالة واحدة من الرسالات ; ولا في دين واحد من الأديان السماوية . كما يقص علينا الحكيم الخبير .

ولو قال أولئك "العلماء":إن قابلية البشرية لعقيدة التوحيد التي جاء بها الرسل كانت تترقى من عهد رسول إلى عهد رسول ; وإن الوثنيات الجاهلية كانت تتأثر بعقائد التوحيد المتوالية التي كان موكب الرسل الكرام يواجه بها هذه الوثنيات حينا بعد حين . حتى جاء زمان كانت عقيدة التوحيد أكثر قبولا لدى جماهير الناس مما كانت , بفعل توالي رسالات التوحيد ; وبفعل العوامل الأخرى التي يفردونها بالتأثير . . . لو قال أولئك "العلماء" قولا كهذا لساغ . . ولكنهم إنما يتأثرون بمنهج في البحث يقوم ابتداء على قاعدة من العداء الدفين القديم للكنيسة في أوربا - حتى ولو لم يلحظه العلماء المعاصرون ! - ومن الرغبة الخفية - الواعية أو غير الواعية - في تحطيم المنهج الديني في التفكير ; وإثبات أن الدين لم يكن قط وحيا من عند الله ; إنما كان اجتهادا من البشر , ينطبق عليه ما ينطبق على تطورهم في التفكير والتجربة والمعرفة العلمية سواء بسواء . . ومن ذلك العداء القديم ومن هذه الرغبة الخفية ينبثق منهج علم الأديان المقارن ; ويسمى مع ذلك "علما" ينخدع به الكثيرون !

وإذا جاز أن يخدع أحد بمثل هذا "العلم" فإنه لا ينبغي لمسلم يؤمن بدينه , ويخترم منهج هذا الدين في تقرير مثل هذه الحقيقة أن يخدع لحظة واحدة ; وأن يدلي بقول يصطدم اصطداما مباشرا مع مقررات دينه , ومع منهجه الواضح في هذا الشأن الخطير . .

هذا الموكب الكريم من الرسل واجه البشرية الضالة - إذن - بدعوة واحدة , وعقيدة واحدة . وكذلك واجهت الجاهلية ذلك الموكب الكريم , وهذه الدعوة الواحدة بالعقيدة الواحدة , مواجهة واحدة - كما يعرضها السياق القرآني مغضيا عن الزمان والمكان , مبرزا للحقيقة الواحدة الموصولة من وراء الزمان والمكان - وكما أن دعوة الرسل لم تتبدل , فكذلك مواجهة الجاهلية لم تتبدل !

إنها حقيقة تستوقف النظر حقا ! . . إن الجاهلية هي الجاهلية على مدار الزمان . . إن الجاهلية ليست فترة تاريخية ; ولكنها وضع اعتقاد وتصور وتجمع عضوي على أساس هذه المقومات . .

والجاهلية تقوم ابتداء على أساس من دينونة العباد للعباد ; ومن تأليه غير الله . أو من ربوبية غير الله - وكلاهما سواء في إنشاء الجاهلية - فسواء كان الاعتقاد قائما على تعدد الآلهة ; أو كان قائما على توحيد الإله مع تعدد الأرباب - أي المتسلطين - فهو ينشئ الجاهلية بكل خصائصها الثانوية الأخرى !

ودعوة الرسل إنما تقوم على توحيد الله وتنحية الأرباب الزائفة , وإخلاص الدين لله - أي إخلاص الدينونة لله وإفراده سبحانه بالربوبية , أي الحاكمية والسلطان - ومن ثم تصطدم اصطداما مباشرا بالقاعدة التي تقوم عليها الجاهلية ; وتصبح بذاتها خطرا على وجود الجاهلية . وبخاصة حين تتمثل دعوة الإسلام في تجمع خاص , يأخذ أفراده من التجمع الجاهلي ; وينفصل بهم عن الجاهلية من ناحية الاعتقاد , ومن ناحية القيادة , ومن ناحية الولاء . . الأمر الذي لا بد منه للدعوة الإسلامية في كل مكان وفي كل زمان . .

وعندما يشعر التجمع الجاهلي - بوصفه كيانا عضويا واحدا متساندا - بالخطر الذي يتهدد قاعدة وجوده من الناحية الاعتقادية ; كما يتهدد وجوده ذاته بتمثل الاعتقاد الإسلامي في تجمع آخر منفصل عنه ومواجه له . . فعندئذ يسفر التجمع الجاهلي عن حقيقة موقفه تجاه دعوة الإسلام !

إنها المعركة بين وجودين لا يمكن أن يكون بينهما تعايش أو سلام ! المعركة بين تجمعين عضويين كل منهما يقوم على قاعدة مناقضة تماما للقاعدة التي يقوم عليها التجمع الآخر . فالتجمع الجاهلي يقوم على قاعدة تعدد الآلهة , أو تعدد الأرباب , ومن ثم يدين فيه العباد للعباد . والتجمع الإسلامي يقوم على قاعدة وحدانية الألوهية ووحدانية الربوبية ; ومن ثم لا يمكن فيه دينونة العباد للعباد . .

ولما كان التجمع الإسلامي إنما يأكل في كل يوم من جسم التجمع الجاهلي , في أول الأمر وهو في دور التكوين , ثم بعد ذلك لا بد له من مواجهة التجمع الجاهلي لتسلم القيادة منه , وإخراج الناس كافة من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده . . لما كانت هذه كلها حتميات لا بد منها متى سارت الدعوة الإسلامية في طريقها الصحيح , فإن الجاهلية لا تطيق منذ البدء دعوة الإسلام . . ومن هنا ندرك لماذا كانت مواجهة الجاهلية واحدة لدعوة الرسل الكرام ! . . إنها مواجهة الدفاع عن النفس في وجه الاجتياح ; ومواجهة الدفاع عن الحاكمية المغتصبة وهي من خصائص الألوهية التي يغتصبها في الجاهلية العباد !

وإذ كان هذا هو شعور الجاهلية بخطر الدعوة الإسلامية عليها , فقد واجهت هذه الدعوة في معركة حياة أو موت , لا هوادة فيها ولا هدنة ولا تعايش ولا سلام ! . . إن الجاهلية لم تخدع نفسها في حقيقة المعركة , وكذلك لم يخدع الرسل الكرام - صلوات الله وسلامه عليهم - أنفسهم ولا المؤمنين بهم في حقيقة المعركة . .

*وقال الذين كفروا لرسلهم:لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا*. فهم لا يقبلون من الرسل والذين آمنوا معهم , أن يتميزوا وينفصلوا بعقيدتهم وبقيادتهم وبتجمعهم الخاص . إنما يطلبون إليهم أن يعودوا في ملتهم , ويندمجوا في تجمعهم , ويذوبوا في هذا التجمع . أو أن يطردوهم بعيدا وينفوهم من أرضهم . .

ولم يقبل الرسل الكرام أن يندمجوا في التجمع الجاهلي , ولا أن يذوبوا فيه , ولا أن يفقدوا شخصية تجمعهم الخاص . . هذا التجمع الذي يقوم على قاعدة أخرى غير القاعدة التي يقوم عليها التجمع الجاهلي . . ولم يقولوا - كما يقول ناس ممن لا يدركون حقيقة الإسلام . . ولا حقيقة التركيب العضوي للمجتمعات -:حسنا ! فلنندمج في ملتهم كي نزاول دعوتنا ونخدم عقيدتنا من خلالهم

إن تميز المسلم بعقيدته في المجتمع الجاهلي , لا بد أن يتبعه حتما تميزه بتجمعه الإسلامي وقيادته وولائه . . وليس في ذلك اختيار . . إنما هي حتمية من حتميات التركيب العضوي للمجتمعات . . هذا التركيب الذي يجعل التجمع الجاهلي حساسا بالنسبة لدعوة الإسلام القائمة على قاعدة عبودية الناس لله وحده ; وتنحية الأرباب الزائفة عن مراكز القيادة والسلطان . كما يجعل كل عضو مسلم يتميع في المجتمع الجاهلي خادما للتجمع الجاهلي لا خادما لإسلامه كما يظن بعض الأغرار !

ثم تبقى الحقيقة القدرية التي ينبغي ألا يغفل عنها الدعاة إلى الله في جميع الأحوال . وهي أن تحقيق وعد الله لأوليائه بالنصر والتمكين ; والفصل بينهم وبين قومهم بالحق , لا يقع ولا يكون , إلا بعد تميز أصحاب الدعوة وتحيزهم ; وإلا بعد مفاصلتهم لقومهم على الحق الذي معهم . . فذلك الفصل من الله لا يقع وأصحاب الدعوة متميعون في المجتمع الجاهلي , ذائبون في أوضاعه عاملون في تشكيلاته . . وكل فترة تميع على هذا النحو هي فترة تأخير وتأجيل لوعد الله بالنصر والتمكين . . وهي تبعة ضخمة هائلة يجب أن يتدبرها أصحاب الدعوة إلى الله , وهم واعون مقدرون . .

وأخيرا . . نقف أمام الجمال الباهر الذي يعرض فيه القرآن الكريم موكب الإيمان , وهو يواجه الجاهلية الضالة على مدار الزمان . . جمال الحق الفطري البسيط الواضح العميق , الواثق المطمئن , الرصين المكين:

*قالت رسلهم:أفي الله شك فاطر السماوات والأرض , يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم , ويؤخركم إلى أجل مسمى ?*. .

. . .*قالت لهم رسلهم:إن نحن إلا بشر مثلكم , ولكن الله يمن على من يشاء من عباده , وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله , وعلى الله فليتوكل المؤمنون . وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا , ولنصبرن على ما آذيتمونا , وعلى الله فليتوكل المتوكلون*. .

وهذا الجمال الباهر إنما ينشأ من هذا العرض الذي يجعل الرسل موكبا موحدا في مواجهة الجاهلية الموحدة ; ويصور الحقيقة الباقية من وراء الملابسات المتغيرة ; ويبرز المعالم المميزة للدعوة التي يحملها الرسل وللجاهلية التي تواجههم , من وراء الزمان والمكان , ومن وراء الأجناس والأقوام !

ثم يتجلى هذا الجمال في كشف الصلة بين الحق الذي تحمله دعوة الرسل الكرام , والحق الكامن في كيان هذا الوجود:

*قالت رسلهم:أفي الله شك فاطر السماوات والأرض ?*. .

*وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ?*. .

*ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق , إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد , وما ذلك على الله بعزيز*. .

وهكذا تتجلى العلاقة العميقة بين الحق في هذه الدعوة , والحق الكامن في الوجود كله . ويبدو أنه حق واحد موصول بالله الحق , ثابت وطيد عميق الجذور: *كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء*. . وأن ما عداه هو الباطل الزائل *كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار*. .

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ *28* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ *29* وَجَعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ *30*

كذلك يتمثل ذلك الجمال في شعور الرسل بحقيقة الله ربهم ; وفي حقيقة الألوهية كما تتجلى في قلوب تلك العصبة المختارة من عباده:

*وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا , ولنصبرن على ما آذيتمونا , وعلى الله فليتوكل المتوكلون*. .

وكلها لمحات من ذلك الجمال الباهر لا يملك التعبير البشري إلا أن يشير إليها كما يشار إلى النجم البعيد , لا تبلغ الإشارة مداه , ولكنها فقط تلفت العين إلى سناه . . .

الوحدة الثانية:28 - 52 الموضوع:نعم الله بين الشكر والكفر وإبراهيم الشاكر المنيب مقدمة الوحدة

يبدأ هذا الشوط الثاني من نهاية الشوط الأول , قائما عليه , متناسقا معه , مستمدا منه .

لقد تضمن الشوط الأول رسالة الرسول [ ص ] ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم . ورسالة موسى - عليه السلام - لقومه ليخرجهم من الظلمات إلى النور , ويذكرهم بأيام الله . فبين لهم وذكرهم بنعمة الله عليهم , وأعلن لهم ما تأذن الله به:لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد . . ثم عرض عليهم قصة النبوات والمكذبين . بدأها ثم توارى عن السياق ; وتابعت القصة أدوارها ومشاهدها حتى انتهت بالكافرين إلى ذلك الموقف , الذي يستمعون فيه من الشيطان عظته البليغة ! حيث لا تنفع العظات !

فالآن يعود السياق إلى المكذبين من قوم محمد [ ص ] بعد ما عرض عليهم ذلك الشريط الطويل - أولئك الذين أنعم الله عليهم - فيما أنعم - برسول يخرجهم من الظلمات إلى النور , ويدعوهم ليغفر الله لهم , فإذا هم يكفرون النعمة , ويردونها , ويستبدلون بها الكفر , يؤثرونه على الرسول وعلى دعوة الإيمان . .

ومن ثم يبدأ الشوط الثاني بالتعجيب من أمر هؤلاء الذين يبدلون نعمة الله كفرا , ويقودون قومهم إلى دار البوار , كما قاد من قبلهم أتباعهم إلى النار . في قصة الرسل والكفار .

ثم يستطرد إلى بيان نعم الله على البشر في أضخم المشاهد الكونية البارزة 0 ويقدم نموذجا لشكر النعمة:إبراهيم الخليل - بعد أن يأمر الذين آمنوا بلون من ألوان الشكر هو الصلاة والبر بعباد الله - قبل أن يأتي يوم لا تربو فيه الأموال . يوم لا بيع فيه ولا خلال

فأما الذين كفروا فليسوا بمتروكين عن غفلة ولا إهمال , إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار . . وأما وعد الله لرسله فهو واقع مهما يمكر الذين كفروا وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال . .

وهكذا يتماسك الشوط الثاني مع الشوط الأول ويتناسق .

الدرس الأول:28 - 31 جريمة الذين بدلوا نعمة الله كفرا وتوجيه للمؤمنين

*ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار , جهنم يصلونها , وبئس القرار ?!*

*وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله . قل:تمتعوا فإن مصيركم إلى النار*. .

ألم تر إلى هذا الحال العجيب . حال الذين وهبوا نعمة الله , ممثلة في رسول وفي دعوة إلى الإيمان , وفي قيادة إلى المغفرة , وإلى مصير في الجنة . . فإذا هم يتركون هذا كله ويأخذون بدله*كفرا*! أولئك هم السادة القادة من كبراء قومك - مثلهم مثل السادة القادة من كل قوم - وبهذا الاستبدال العجيب قادوا قومهم إلى جهنم , وأنزلوهم بها - كما شاهدنا منذ قليل في الأقوام من قبل ! - وبئس ما أحلوهم من مستقر , وبئس القرار فيها من قرار !

ألم تر إلى تصرف القوم العجيب , بعد ما رأوا ما حل بمن قبلهم - وقد عرضه القرآن عليهم عرض رؤية في مشاهد تلك القصة التي مضى بها الشوط الأول من السورة . عرضه كأنه وقع فعلا . وإنه لواقع . وما يزيد النسق القرآني على أن يعرض ما تقرر وقوعه في صورة الواقع المشهود .

لقد استبدلوا بنعمة الرسول ودعوته كفرا . وكانت دعوته إلى التوحيد , فتركوها:

*وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله*. .

جعلوا لله أقرانا مماثلين يعبدونهم كعبادته , ويدينون لسلطانهم كما يدينون لسلطانه , ويعترفون لهم بما هو من خصائص ألوهيته سبحانه جعلوا لله هذه الأنداد ليضلوا الناس عن سبيل الله الواحد الذي لا يتعدد ولا تتفرق به السبل .

والنص يشير إلى أن كبراء القوم عمدوا عمدا إلى تضليل قومهم عن سبيل الله , باتخاذ هذه الأنداد من دون الله . فعقيدة التوحيد خطر على سلطان الطواغيت ومصالحهم في كل زمان . لا في زمن الجاهلية الأولى , ولكن في زمن كل جاهلية ينحرف الناس فيها عن التوحيد المطلق , في أية صورة من صور الانحراف , فيسلمون قيادهم إلى كبرائهم , وينزلون لهم عن حرياتهم وشخصياتهم , ويخضعون لأهوائهم ونزواتهم , ويتلقون شريعتهم من أهواء هؤلاء الكبراء لا من وحي الله . . عندئذ تصبح الدعوة إلى توحيد الله خطرا على الكبراء يتقونه بكل وسيلة . ومنها كان اتخاذ الآلهة أندادا لله في زمن الجاهلية الأولى . ومنها اليوم اتخاذ شرائع من عمل البشر , تأمر بما لم يأمر الله به , وتنهى عما لم ينه عنه الله . فإذا واضعوها في مكان الند لله في النفوس المضللة عن سبيل الله , وفي واقع الحياة !

فيا أيها الرسول*قل*للقوم:*تمتعوا*. . تمتعوا قليلا في هذه الحياة إلى الأجل الذي قدره الله . والعاقبة معروفة: *فإن مصيركم إلى النار*. .

قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ *31* اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ *32* وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ *33*

ودعهم وانصرف عنهم إلى *عبادي الذين آمنوا*. انصرف عنهم إلى موعظة الذين تجدي فيهم الموعظة . الذين يتقبلون نعمة الله ولا يردونها , ولا يستبدلون بها الكفر . انصرف إليهم تعلمهم كيف يشكرون النعمة بالعبادة والطاعة والبر بعباد الله:

*قل لعبادي الذين آمنوا:يقيموا الصلاة , وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية , من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال*. .

قل لعبادي الذين آمنوا:يشكروا ربهم بإقامة الصلاة . فالصلاة أخص مظاهر الشكر لله . وينفقوا مما أنعمنا عليهم به من الرزق سرا وعلانية . سرا حيث تصان كرامة الآخذين ومروءة المعطين , فلا يكون الإنفاق تفاخرا وتظاهرا ومباهاة . وعلانية حيث تعلن الطاعة بالإنفاق وتؤدى الفريضة , وتكون القدوة الطيبة في المجتمع . وهذا وذلك متروك لحساسية الضمير المؤمن وتقديره للأحوال .

قل لهم:ينفقوا ليربو رصيدهم المدخر من قبل أن يأتي يوم لا تنمو فيه الأموال بتجارة , ولا تنفع كذلك فيه صداقة ; إنما ينفع المدخر من الأعمال:

*من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال*. .

الدرس الثاني:32 - 34 من نعم الله على الناس

وهنا يفتح كتاب الكون على مصراعيه فتنطق سطوره الهائلة بنعم الله التي لا تحصى . وتتوالى صفحاته الضخمة الفسيحة بألوان هذه النعم على مد البصر:السماوات والأرض . الشمس والقمر . الليل والنهار . الماء النازل من السماء والثمار النابتة من الأرض . البحر تجري فيه الفلك , والأنهار تجري بالأرزاق . . هذه الصفحات الكونية المعروضة على الأنظار , ولكن البشر في جاهليتهم لا ينظرون ولا يقرأون ولا يتدبرون ولا يشكرون:إن الإنسان لظلوم كفار . يبدل نعمة الله كفرا , ويجعل لله أندادا , وهو الخالق الرازق المسخر الكون كله لهذا الإنسان:

*الله الذي خلق السماوات والأرض , وأنزل من السماء ماء , فأخرج به من الثمرات رزقا لكم , وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره , وسخر لكم الأنهار . وسخر لكم الشمس والقمر دائبين , وسخر لكم الليل والنهار . وآتاكم من كل ما سألتموه , وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها , إن الإنسان لظلوم كفار*. .

إنها حملة . إنها سياط تلذع الوجدان . . حملة أدواتها الهائلة السماوات والأرض والشمس والقمر والليل والنهار والبحار والأنهار والأمطار والثمار . . وسياط ذات إيقاع , وذات رنين , وذات لذع لهذا الإنسان الظلوم الكفار !

إن من معجزات هذا الكتاب أنه يربط كل مشاهد الكون وكل خلجات النفس إلى عقيدة التوحيد . ويحول كل ومضة في صفحة الكون أو في ضمير الإنسان إلى دليل أو إيحاء . . وهكذا يستحيل الكون بكل ما فيه وبكل من فيه معرضا لآيات الله , تبدع فيه يد القدرة , وتتجلى آثارها في كل مشهد فيه ومنظر , وفي كل صورة فيه وظل . . إنه لا يعرض قضية الألوهية والعبودية في جدل ذهني ولا في لاهوت تجريدي ولا في فلسفة "ميتافيزيقية " ذلك العرض الميت الجاف الذي لا يمس القلب البشري ولا يؤثر فيه ولا يوحي إليه . . إنما هو يعرض هذه القضية في مجال المؤثرات والموحيات الواقعية من مشاهد الكون , ومجالي الخلق , ولمسات الفطرة , وبديهيات الإدراك . في جمال وروعة واتساق .

والمشهد الهائل الحافل المعروض هنا لأيادي الله وآلائه , تسير فيه خطوط الريشة المبدعة وفق اتجاه الآلاء

وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ *34*

بالقياس إلى الإنسان:خط السماوات والأرض . يتبعه خط الماء النازل من السماء والثمرات النابتة من الأرض بهذا الماء . فخط البحر تجري فيه الفلك والأنهار تجري بالأرزاق . . ثم تعود الريشة إلى لوحة السماء بخط جديد . خط الشمس والقمر . فخط آخر في لوحة الأرض متصل بالشمس والقمر:خط الليل والنهار . . ثم الخط الشامل الأخير الذي يلون الصفحة كلها ويظللها:

*وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها*. .

إنه الإعجاز الذي تتناسق فيه كل لمسة وكل خط وكل لون وكل ظل . في مشهد الكون ومعرض الآلاء .

أفكل هذا مسخر للإنسان ? أفكل هذا الكون الهائل مسخر لذلك المخلوق الصغير ? السماوات ينزل منها الماء , والأرض تتلقاه , والثمرات تخرج من بينهما . والبحر تجري فيه الفلك بأمر الله مسخرة . والأنهار تجري بالحياة والأرزاق في مصلحة الإنسان . والشمس والقمر مسخران دائبان لا يفتران . والليل والنهار يتعاقبان . . أفكل أولئك للإنسان ? ثم لا يشكر ولا يذكر ?

*إن الإنسان لظلوم كفار*!

الله الذي خلق السماوات والأرض . .

وبعد ذلك يجعلون لله أندادا , فكيف يكون الظلم في التقدير , والظلم في عبادة خلق من خلقه في السماوات أو في الأرض ?

*وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم*. .

والزرع مورد الرزق الأول , ومصدر النعمة الظاهر . والمطر والإنبات كلاهما يتبع السنة التي فطر الله عليها هذا الكون , ويتبع الناموس الذي يسمح بنزول المطر وإنبات الزرع وخروج الثمر , وموافقة هذا كله للإنسان . وإنبات حبة واحدة يحتاج إلى القوة المهيمنة على هذا الكون كله لتسخر أجرامه وظواهره في إنبات هذه الحبة وإمدادها بعوامل الحياة من تربة وماء وأشعة وهواء . . والناس يسمعون كلمة "الرزق" فلا يتبادر إلى أذهانهم إلا صورة الكسب للمال . ولكن مدلول "الرزق" أوسع من ذلك كثيرا , وأعمق من ذلك كثيرا . . إن أقل "رزق" يرزقه الكائن الإنساني في هذا الكون يقتضي تحريك أجرام هذا الكون وفق ناموس يوفر مئات الآلاف من الموافقات المتواكبة المتناسقة التي لولاها لم يكن لهذا الكائن ابتداء وجود ; ولم تكن له بعد وجوده حياة وامتداد . ويكفي ما ذكر في هذه الآيات من تسخير الأجرام والظواهر ليدرك الإنسان كيف هو مكفول محمول بيد الله . .

*وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره*. .

بما أودع في العناصر من خصائص تجري الفلك على سطح الماء ; وبما أودع في الإنسان من خصائص يدرك بها ناموس الأشياء ; وكلها مسخرة بأمر الله للإنسان .

*وسخر لكم الأنهار*. .

تجري فتجري الحياة , وتفيض فيفيض الخير , وتحمل ما تحمل في جوفها من أسماك وأعشاب وخيرات . . كلها للإنسان ولما يستخدمه الإنسان من طير وحيوان . .

و سخر لكم الشمس والقمر دائبين . . لا يستخدمهما الإنسان مباشرة كما يستخدم الماء والثمار والبحار والفلك والأنهار . . ولكنه ينتفع بآثارهما ,ويستمد منهما مواد الحياة وطاقاتها . فهما مسخران بالناموس الكوني ليصدر عنهما ما يستخدمه هذا الإنسان في حياته ومعاشه بل في تركيب خلاياه وتجديدها .

*وسخر لكم الليل والنهار*. .

سخرهما كذلك وفق حاجة الإنسان وتركيبه , وما يناسب نشاطه وراحته . ولو كان نهار دائم أو ليل دائم لفسد جهاز هذا الإنسان ; فضلا على فساد ما حوله كله , وتعذر حياته ونشاطه وإنتاجه .

وليست هذه سوى الخطوط العريضة في صفحة الآلاء المديدة . ففي كل خط من النقط ما لا يحصى . ومن ثم يضم إليها على وجه الإجمال المناسب للوحة المعروضة وللجو الشامل:

*وآتاكم من كل ما سألتموه*. . من مال وذرية وصحة وزينة ومتاع . . . *وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها*. .

فهي أكبر وأكثر من أن يحصيها فريق من البشر , أو كل البشر . وكلهم محدودون بين حدين من الزمان:بدء ونهاية . وبين حدود من العلم تابعة لحدود الزمان والمكان . ونعم الله مطلقة - فوق كثرتها - فلا يحيط بها إدراك إنسان . .

وبعد ذلك كله تجعلون لله أندادا , وبعد ذلك كله لا تشكرون نعمة الله بل تبدلونها كفرا . . *إن الإنسان لظلوم كفار*!!!

الدرس الثالث:35 - 41 إبراهيم الرسول الشاكر وبناء البيت الحرام

وحين يستيقظ ضمير الإنسان , ويتطلع إلى الكون من حوله , فإذا هو مسخر له , إما مباشرة , وإما بموافقة ناموسه لحياة البشر وحوائجهم ; ويتأمل فيما حوله فإذا هو صديق له برحمة الله , معين بقدرة الله الله , ذلول له بتسخير الله . . حين يستيقظ ضمير الإنسان فيتطلع ويتأمل ويتدبر . لا بد يرتجف ويخشع ويسجد ويشكر , ويتطلع دائما إلى ربه المنعم:حين يكون في الشدة ليبدله منها يسرا , وحين يكون في الرخاء ليحفظ عليه النعماء .

والنموذج الكامل للإنسان الذاكر الشاكر هو أبو الأنبياء . إبراهيم . الذي يظلل سمته هذه السورة , كما تظللها النعمة وما يتعلق بها من شكران أو كفران . . ومن ثم يأتي به السياق في مشهد خاشع , يظلله الشكر , وتشيع فيه الضراعة , ويتجاوب فيه الدعاء , في نغمة رخية متموجة , ذاهبة في السماء .

*وإذ قال إبراهيم:رب اجعل هذا البلد آمنا , واجنبني وبني أن نعبد الأصنام . رب إنهن أضللن كثيرا من الناس , فمن تبعني فإنه مني ; ومن عصاني فإنك غفور رحيم . ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم , ربنا ليقيموا الصلاة , فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم , وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون . ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن , وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء . الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق , إن ربي لسميع الدعاء . رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي , ربنا وتقبل دعاء . ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب*. .

إن السياق يصور إبراهيم - عليه السلام - إلى جوار بيت الله الذي بناه في البلد الذي آل إلى قريش , فإذا بها تكفر فيه بالله , مرتكنة إلى البيت الذي بناه بانيه لعبادة الله ! فيصوره في هذا المشهد الضارع الخاشع

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ *35* رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ *36*

الذاكر الشاكر , ليرد الجاحدين إلى الاعتراف , ويرد الكافرين إلى الشكر , ويرد الغافلين إلى الذكر , ويرد الشاردين من أبنائه إلى سيرة أبيهم لعلهم يقتدون بها ويهتدون .

ويبدأ إبراهيم دعاءه:

*رب اجعل هذا البلد آمنا*. .

فنعمة الأمن نعمة ماسة بالإنسان , عظيمة الوقع في حسه , متعلقة بحرصه على نفسه . والسياق يذكرها هنا ليذكر بها سكان ذلك البلد , الذين يستطيلون بالنعمة ولا يشكرونها وقد استجاب الله دعاء أبيهم إبراهيم فجعل البلد آمنا , ولكنهم هم سلكوا غير طريق إبراهيم , فكفروا النعمة , وجعلوا لله أندادا , وصدوا عن سبيل الله . ولقد كانت دعوة أبيهم التالية لدعوة الأمن:

*واجنبني وبني أن نعبد الأصنام*. .

ويبدو في دعوة إبراهيم الثانية تسليم إبراهيم المطلق إلى ربه , والتجاؤه إليه في أخص مشاعر قلبه . فهو يدعوه أن يجنبه عبادة الأصنام هو وبنيه , يستعينه بهذا الدعاء ويستهديه . ثم ليبرز أن هذه نعمة أخرى من نعم الله . وإنها لنعمة أن يخرج القلب من ظلمات الشرك وجهالاته إلى نور الإيمان بالله وتوحيده . فيخرج من التيه والحيرة والضلال والشرود , إلى المعرفة والطمأنينة والاستقرار والهدوء . ويخرج من الدينونة المذلة لشتى الأرباب , إلى الدينونة الكريمة العزيزة لرب العباد . . إنها لنعمة يدعو إبراهيم ربه ليحفظها عليه , فيجنبه هو وبنيه أن يعبد الأصنام .

يدعو إبراهيم دعوته هذه لما شهده وعلمه من كثرة من ضلوا بهذه الأصنام من الناس في جيله وفي الأجيال التي قبله ; ومن فتنوا بها ومن افتتنوا وهم خلق كثير:

*رب إنهن أضللن كثيرا من الناس*. .

ثم يتابع الدعاء . . فأما من تبع طريقي فلم يفتتن بها فهو مني , ينتسب إلى ويلتقي معي في الآصرة الكبرى , آصرة العقيدة:

*فمن تبعني فإنه مني*. .

وأما من عصاني منهم فأفوض أمره إليك:

*ومن عصاني فإنك غفور رحيم*. .

وفي هذا تبدو سمة إبراهيم العطوف الرحيم الأواه الحليم ; فهو لا يطلب الهلاك لمن يعصيه من نسله ويحيد عن طريقه , ولا يستعجل لهم العذاب ; بل لا يذكر العذاب , إنما يكلهم إلى غفران الله ورحمته . ويلقي على الجو ظلال المغفرة والرحمة ; وتحت هذا الظل يتوارى ظل المعصية ; فلا يكشف عنه إبراهيم الرحيم الحليم !

ويمضي إبراهيم في دعائه يذكر إسكانه لبعض أبنائه بهذا الوادي المجدب المقفر المجاور للبيت المحرم , ويذكر الوظيفة التي أسكنهم في هذا القفر الجدب ليقوموا بها:

*ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم*. .

لماذا ?

*ربنا ليقيموا الصلاة*. .

رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ *37* رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء *38* الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء *39* رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء *40* رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ *41* وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ *42* مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء *43*

فهذا هو الذي من أجله أسكنهم هناك , وهذا هو الذي من أجله يحتملون الجدب والحرمان .

فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم . .

وفي التعبير رقة ورفرفة , تصور القلوب رفافة مجنحة , وهي تهوي إلى ذلك البيت وأهله في ذلك الوادى الجديب . إنه تعبير ندي يندي الجدب برقة القلوب . .

*وارزقهم من الثمرات*. .

عن طريق تلك القلوب التي ترف عليهم من كل فج . . لماذا ? أليأكلوا ويطعموا ويستمتعوا ? نعم ! ولكن لينشأ عن ذلك ما يرجوه إبراهيم الشكور:

*لعلهم يشكرون*. .

وهكذا يبرز السياق هدف السكنى بجوار البيت الحرام . . إنه إقامة الصلاة على أصولها كاملة لله . ويبرز هدف الدعاء برفرفة القلوب وهويها إلى أهل البيت ورزقهم من ثمرات الأرض . . إنه شكر الله المنعم الوهاب .

وفي ظل هذا الدعاء تبدو المفارقة واضحة في موقف قريش جيرة البيت المحرم . . فلا صلاة قائمة لله , ولا شكر بعد استجابة الدعاء , وهوي القلوب والثمرات !

ويعقب إبراهيم على دعاء الله لذريته الساكنة بجوار بيته المحرم لتقيم الصلاة وتشكر الله . . يعقب على الدعاء بتسجيله لعلم الله الذي يطلع على ما في قلوبهم من توجه وشكر ودعاء . فليس القصد هو المظاهرات والأدعية والتصدية والمكاء . . إنما هو توجه القلب إلى الله الذي يعلم السر والجهر ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء:

*ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن:وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء*. .

ويذكر إبراهيم نعمة الله عليه من قبل ; فيلهج لسانه بالحمد والشكر شأن العبد الصالح يذكر فيشكر:

*الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق , إن ربي لسميع الدعاء*. .

وهبة الذرية على الكبر أوقع في النفس . فالذرية امتداد . وما أجل الإنعام به عند شعور الفرد بقرب النهاية , وحاجته النفسية الفطرية إلى الامتداد . وإن إبراهيم ليحمد الله , ويطمع في رحمته:

*إن ربي لسميع الدعاء*.

ويعقب على الشكر بدعاء الله أن يجعله مديما للشكر . الشكر بالعبادة والطاعة فيعلن بهذا تصميمه على العبادة وخوفه أن يعوقه عنها عائق , أو يصرفه عنها صارف , ويستعين الله على إنفاذ عزيمته وقبول دعائه:

*رب اجعلني مقيم الصلاة . ومن ذريتي . ربنا وتقبل دعاء*. .

وفي ظل هذا الدعاء تبدو المفارقة مرة أخرى في موقف جيرة البيت من قريش . وهذا إبراهيم يجعل عون الله له على إقامة الصلاة رجاء يرجوه , ويدعو الله ليوفقه إليه . وهم ينأون عنها ويعرضون , ويكذبون الرسول الذي يذكرهم بما كان إبراهيم يدعو الله أن يعينه عليه هو وبنيه من بعده !

ويختم إبراهيم دعاءه الضارع الخاشع بطلب المغفرة له ولوالديه وللمؤمنين جميعا , يوم يقوم الحساب , فلا ينفع إنسانا إلا عمله ; ثم مغفرة الله في تقصيره:

*ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب*. .

وينتهي المشهد الطويل:مشهد الدعاء الخاشع الضارع . ومشهد تعداد النعم والشكر عليها . . في إيقاع موسيقيمتموج رخي . . ينتهي بعد أن يخلع على الموقف كله ظلا وديعا لطيفا , تهفو القلوب معه إلى جوار الله , وتذكر القلوب فيه نعم الله . ويرتسم إبراهيم أبو الأنبياء نموذجا للعبد الصالح الذاكر الشاكر , كما ينبغي أن يكون عباد الله , الذين وجه الحديث إليهم قبيل هذا الدعاء . .

ولا يفوتنا أن نلمح تكرار إبراهيم - عليه السلام - في كل فقرة من فقرات دعائه الخاشع المنيب لكلمة:*ربنا*أو "رب" . فإن لهجان لسانه بذكر ربوبية الله له ولبنيه من بعده ذات مغزى . . إنه لا يذكر الله - سبحانه - بصفة الألوهية , إنما يذكره بصفة الربوبية . فالألوهية قلما كانت موضع جدال في معظم الجاهليات - وبخاصة في الجاهلية العربية - إنما الذي كان دائما موضع جدل هو قضية الربوبية . قضية الدينونة في واقع الحياة الأرضية . وهي القضية العملية الواقعية المؤثرة في حياة الإنسان . والتي هي مفرق الطريق بين الإسلام والجاهلية وبين التوحيد والشرك في عالم الواقع . . فإما أن يدين الناس لله فيكون ربهم وإما أن يدينوا لغير الله فيكون غيره ربهم . . وهذا هو مفرق الطريق بين التوحيد والشرك وبين الإسلام والجاهلية في واقع الحياة . والقرآن وهو يعرض على مشركي العرب دعاء أبيهم إبراهيم والتركيز فيه على قضية الربوبية كان يلفتهم إلى ما هم فيه من مخالفة واضحة لمدلول هذا الدعاء !

الدرس الرابع:42 - 45 مشهد ذل وخزي الظالمين يوم القيامة

ثم يكمل السياق الشوط مع *الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار*. . وهم ما يزالون بعد في ظلمهم لم يأخذهم العذاب . والذين أمر الرسول [ ص ] أن يقول لهم: *تمتعوا فإن مصيركم إلى النار*. . وأن ينصرف إلى عباد الله المؤمنين يأمرهم بالصلاة والإنفاق سرا وعلانية *من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال*. .

يكمل السياق الشوط ليكشف عما أعد للكافرين بنعمة الله ; ومتى يلقون مصيرهم المحتوم ; وذلك في مشاهد متعاقبة من مشاهد القيامة , تزلزل الأقدام والقلوب:

*ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون , إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار , مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم , وأفئدتهم هواء*. .

والرسول [ ص ] لا يحسب الله غافلا عما يعمل الظالمون . ولكن ظاهر الأمر يبدو هكذا لبعض من يرون الظالمين يتمتعون , ويسمع بوعيد الله , ثم لا يراه واقعا بهم في هذه الحياة الدنيا . فهذه الصيغة تكشف عن الأجل المضروب لأخذهم الأخذة الأخيرة , التي لا إمهال بعدها . ولا فكاك منها . أخذهم في اليوم العصيب الذي تشخص فيه الأبصار من الفزع والهلع , فتظل مفتوحة مبهوتة مذهولة , مأخوذة بالهول لا تطرف ولا تتحرك . ثم يرسم مشهدا للقوم في زحمة الهول . . مشهدهم مسرعين لا يلوون على شيء , ولا يلتفتون إلى شيء . رافعين رؤوسهم لا عن إرادة ولكنها مشدودة لا يملكون لها حراكا . يمتد بصرهم إلى ما يشاهدون من الرعب فلا يطرف ولا يرتد إليهم . وقلوبهم من الفزع خاوية خالية لا تضم شيئا يعونه أو يحفظونه أو يتذكرونه , فهي هواء خواء . .

هذا هو اليوم الذي يؤخرهم الله إليه . حيث يقفون هذا الموقف , ويعانون هذا الرعب . الذي يرتسم من خلال المقاطع الأربعة مذهلا آخذا بهم كالطائر الصغير في مخالب الباشق الرعيب:

*إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم , لا يرتد إليهم طرفهم , وأفئدتهم هواء*. .

وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ *44* وَسَكَنتُمْ فِي مَسَـاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ *45* وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ *46*

فالسرعة المهرولة المدفوعة , في الهيئة الشاخصة المكرهة المشدودة , مع القلب المفزع الطائر الخاوي من كل وعي ومن كل إدراك . . كلها تشي بالهول الذي تشخص فيه الأبصار . .

هذا هو اليوم الذي يؤخرهم الله إليه , والذي ينتظرهم بعد الإمهال هناك . فأنذر الناس أنه إذا جاء فلا اعتذار يومئذ ولا فكاك . . وهنا يرسم مشهدا آخر لليوم الرعيب المنظور:

وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب , فيقول الذين ظلموا:ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل . أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال ?! وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم , وتبين لكم كيف فعلنا بهم , وضربنا لكم الأمثال ? . .

أنذرهم يوم يأتيهم ذلك العذاب المرسوم آنفا , فيتوجه الذين ظلموا يومئذ إلى الله بالرجاء , يقولون:

*ربنا*. .

الآن وقد كانوا يكفرون به من قبل ويجعلون له أندادا !

*أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل*. .

وهنا ينقلب السياق من الحكاية إلى الخطاب . كأنهم ماثلون شاخصون يطلبون . وكأننا في الآخرة وقد انطوت الدنيا وما كان فيها . فها هو ذا الخطاب يوجه إليهم من الملأ الأعلى بالتبكيت والتأنيب , والتذكير بما فرط منهم في تلك الحياة:

أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال ?! . .

فكيف ترون الآن ?! زلتم يا ترى أم لم تزولوا ?! ولقد قلتم قولتكم هذه وآثار الغابرين شاخصة أمامكم مثلا بارزا للظالمين ومصيرهم المحتوم:

*وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال*. .

فكان عجيبا أن تروا مساكن الظالمين أمامكم , خالية منهم , وأنتم فيها خلفاء , ثم تقسمون مع ذلك:

*ما لكم من زوال*!

وعند هذا التبكيت ينتهي المشهد , وندرك أين صاروا , وماذا كان بعد الدعاء وخيبة الرجاء .

وإن هذا المثل ليتجدد في الحياة ويقع كل حين . فكم من طغاة يسكنون مساكن الطغاة الذين هلكوا من قبلهم . وربما يكونون قد هلكوا على أيديهم . ثم هم يطغون بعد ذلك ويتجبرون ; ويسيرون حذوك النعل بالنعل سيرة الهالكين ; فلا تهز وجدانهم تلك الآثار الباقية التي يسكنونها , والتي تتحدث عن تاريخ الهالكين , وتصور مصائرهم للناظرين . ثم يؤخذون إخذة الغابرين , ويلحقون بهم وتخلو منهم الديار بعد حين !

الدرس الخامس:46 - 51 الظالمون بين الكيد والمكر في الدنيا والعذاب والهوان في الآخرة

ثم يلتفت السياق بعد أن يسدل عليهم الستار هناك , إلى واقعهم الحاضر , وشدة مكرهم بالرسول والمؤمنين , وتدبيرهم الشر في كل نواحي الحياة . فيلقي في الروع أنهم مأخوذون إلى ذلك المصير , مهما يكن مكرهم من العنف والتدبير:

*وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم . . وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال*. .

إن الله محيط بهم وبمكرهم , وإن كان مكرهم من القوة والتأثير حتى ليؤدي إلى زوال الجبال , أثقل شيء وأصلب شيء , وأبعد شيء عن تصور التحرك والزوال . فإن مكرهم هذا ليس مجهولا وليس خافيا

فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ *47* يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ *48* وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ *49* سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ *50* لِيَجْزِي اللّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ *51*

وليس بعيدا عن متناول القدرة . بل إنه لحاضر *عند الله*يفعل به كيفما يشاء .

*فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله . إن الله عزيز ذو انتقام*. .

فما لهذا المكر من أثر , وما يعوق تحقيق وعد الله لرسله بالنصر وأخذ الماكرين أخذ عزيز مقتدر:

*إن الله عزيز ذو انتقام*. .

لا يدع الظالم يفلت , ولا يدع الماكر ينجو . . وكلمة الانتقام هنا تلقي الظل المناسب للظلم والمكر , فالظالم الماكر يستحق الانتقام , وهو بالقياس إلى الله تعالى يعني تعذيبهم جزاء ظلمهم وجزاء مكرهم , تحقيقا لعدل الله في الجزاء .

وسيكون ذلك لا محالة:

*يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات*. .

ولا ندري نحن كيف يتم هذا , ولا طبيعة الأرض الجديدة وطبيعة السماوات , ولا مكانها ; ولكن النص يلقي ظلال القدرة القادرة التي تبدل الأرض وتبدل السماوات ; في مقابل ذلك المكر الذي مهما اشتد فهو ضئيل عاجز حسير .

وفجأة نرى ذلك قد تحقق:

*وبرزوا لله الواحد القهار*. .

وأحسوا أنهم مكشوفون لا يسترهم ساتر , ولا يقيهم واق . ليسوا في دورهم وليسوا في قبورهم . إنما هم في العراء أمام الواحد القهار . . ولفظة*القهار*هنا تشترك في ظل التهديد بالقوة القاهرة التي لا يقف لها كيد الجبابرة . وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال .

ثم ها نحن أولاء أمام مشهد من مشاهد العذاب العنيف القاسي المذل , يناسب ذلك المكر وذلك الجبروت:

*وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار*. .

فمشهد المجرمين:اثنين اثنين مقرونين في الوثاق , يمرون صفا وراء صف . . مشهد مذل دال كذلك على قدرة القهار . ويضاف إلى قرنهم في الوثاق أن سرابيلهم وثيابهم من مادة شديدة القابلية للالتهاب , وهي في ذات الوقت قذرة سوداء . . *من قطران*. . ففيها الذل والتحقير , وفيها الإيحاء بشدة الاشتعال بمجرد قربهم من النار !

*وتغشى وجوههم النار*. .

فهو مشهد العذاب المذل المتلظي المشتعل جزاء المكر والاستكبار

*ليجزي الله كل نفس ما كسبت . إن الله سريع الحساب*. .

ولقد كسبوا المكر والظلم فجزاؤهم القهر والذل . إن الله سريع الحساب . فالسرعة في الحساب هنا تناسب المكر والتدبير الذي كانوا يحسبونه يحميهم ويخفيهم , ويعوق انتصار أحد عليهم . فها هو أولاء يجزون ما كسبوا ذلا وألما وسرعة حساب !

الدرس السادس:52 خاتمة في البلاغ والإنذار والتذكير

وفي النهاية تختم السورة بمثل ما بدأت , ولكن في إعلان عام جهير الصوت , عالي الصدى , لتبليغ البشرية كلها في كل مكان:

هَـذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ *52*

*هذا بلاغ للناس , ولينذروا به , وليعلموا أنما هو إله واحد , وليذكر أولو الألباب*.

إن الغاية الأساسية من ذلك البلاغ وهذا الإنذار , هي أن يعلم الناس *أنما هو إله واحد*. . فهذه هي قاعدة دين الله التي يقوم عليها منهجه في الحياة .

وليس المقصود بطبيعة الحال مجرد العلم , إنما المقصود هو إقامة حياتهم على قاعدة هذا العلم . . المقصود هو الدينونة لله وحده , ما دام أنه لا إله غيره . فالإله هو الذي يستحق أن يكون ربا - أي حاكما وسيدا ومتصرفا ومشرعا وموجها - وقيام الحياة البشرية على هذه القاعدة يجعلها تختلف اختلافا جوهريا عن كل حياة تقوم على قاعدة ربوبية العباد للعباد - أي حاكمية العباد للعباد ودينونة العباد للعباد - وهو اختلاف يتناول الاعتقاد والتصور , ويتناول الشعائر والمناسك ; كما يتناول الأخلاق والسلوك , والقيم والموازين ; وكما يتناول الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية , وكل جانب من جوانب الحياة الفردية والجماعية على السواء .

إن الاعتقاد بالألوهية الواحدة قاعدة لمنهج حياة متكامل ; وليس مجرد عقيدة مستكنة في الضمائر . وحدود العقيدة أبعد كثيرا من مجرد الاعتقاد الساكن . . إن حدود العقيدة تتسع وتترامى حتى تتناول كل جانب من جوانب الحياة . . وقضية الحاكمية بكل فروعها في الإسلام هي قضية عقيدة . كما أن قضية الأخلاق بجملتها هي قضية عقيدة . فمن العقيدة ينبثق منهج الحياة الذي يشتمل الأخلاق والقيم ; كما يشتمل الأوضاع والشرائع سواء بسواء . .

ونحن لا ندرك مرامي هذا القرآن قبل أن ندرك حدود العقيدة في هذا الدين , وقبل أن ندرك مدلولات:"شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" على هذا المستوى الواسع البعيد الآماد . وقبل أن نفهم مدلول:العبادة لله وحده ; ونحدده بأنه الدينونة لله وحده ; لا في لحظات الصلاة , ولكن في كل شأن من شؤون الحياة !

إن عبادة الأصنام التي دعا إبراهيم - عليه السلام - ربه أن يجنبه هو وبنيه إياها , لا تتمثل فقط في تلك الصورة الساذجة التي كان يزاولها العرب في جاهليتهم , أو التي كانت تزاولها شتى الوثنيات في صور شتى , مجسمة في أحجار أو أشجار , أو حيوان أو طير , أو نجم أو نار , أو أرواح أو أشباح . . .

إن هذه الصور الساذجة كلها لا تستغرق كل صور الشرك بالله , ولا تستغرق كل صور العبادة للأصنام من دون الله . والوقوف بمدلول الشرك عند هذه الصور الساذجة يمنعنا من رؤية صور الشرك الأخرى التي لا نهاية لها ; ويمنعنا من الرؤية الصحيحة لحقيقة ما يعتور البشرية من صور الشرك والجاهلية الجديدة !

ولا بد من التعمق في إدراك طبيعة الشرك وعلاقة الأصنام بها ; كما أنه لا بد من التعمق في معنى الأصنام , وتمثل صورها المتجددة مع الجاهليات المستحدثة !

إن الشرك بالله - المخالف لشهادة أن لا إله إلا الله - يتمثل في كل وضع وفي كل حالة لا تكون فيها الدينونة في كل شأن من شؤون الحياة خالصة لله وحده . ويكفي أن يدين العبد لله في جوانب من حياته , بينما هو يدين في جوانب أخرى لغير الله , حتى تتحقق صورة الشرك وحقيقته . . وتقديم الشعائر ليس إلا صورة واحدة من صور الدينونة الكثيرة . . والأمثلة الحاضرة في حياة البشر اليوم تعطينا المثال الواقعي للشرك في أعماق طبيعته . . إن العبد الذي يتوجه لله بالاعتقاد في ألوهيته وحده ; ثم يدين لله في الوضوء والطهارة والصلاة والصوم والحج وسائر الشعائر . بينما هو في الوقت ذاته يدين في حياته الاقتصادية و السياسية والاجتماعيةلشرائع من عند غير الله . ويدين في قيمه وموازينه الاجتماعية لتصورات واصطلاحات من صنع غير الله . ويدين في أخلاقه وتقاليده وعاداته وأزيائه لأرباب من البشر تفرض عليه هذه الأخلاق والتقاليد والعادات والأزياء - مخالفة لشرع الله وأمره - إن هذا العبد يزاول الشرك في أخص حقيقته ; ويخالف عن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله في أخص حقيقتها . . وهذا ما يغفل عنه الناس اليوم فيزاولونه في ترخص وتميع , وهم لايحسبونه الشرك الذي كان يزاوله المشركون في كل زمان ومكان !

والأصنام . . ليس من الضروري أن تتمثل في تلك الصور الأولية الساذجة . . فالأصنام ليست سوى شعارات للطاغوت , يتخفى وراءها لتعبيد الناس باسمها , وضمان دينونتهم له من خلالها . .

إن الصنم لم يكن ينطق أو يسمع أو يبصر . . إنما كان السادن أو الكاهن أو الحاكم يقوم من ورائها ; يتمتم حولها بالتعاويذ والرقي . . ثم ينطق باسمها بما يريد هو أن ينطق لتعبيد الجماهير وتذليلها !

فإذا رفعت في أي أرض وفي أي وقت شعارات ينطق باسمها الحكام والكهان , ويقررون باسمها ما لم يأذن به الله من الشرائع والقوانين والقيم والموازين والتصرفات والأعمال . . . فهذه هي الأصنام في طبيعتها وحقيقتها ووظيفتها !

إذا رفعت "القومية " شعارا , أو رفع "الوطن" شعارا , أو رفع "الشعب" شعارا , أو رفعت "الطبقة " شعارا . . . ثم أريد الناس على عبادة هذه الشعارات من دون الله ; وعلى التضحية لها بالنفوس والأموال والأخلاق والأعراض . بحيث كلما تعارضت شريعة الله وقوانينه وتوجيهاته وتعليماته مع مطالب تلك الشعارات ومقتضياتها , نحيت شريعة الله وقوانينه وتوجيهاته وتعاليمه , ونفذت إرادة تلك الشعارات - أو بالتعبير الصحيح الدقيق:إرادة الطواغيت الواقفة وراء هذه الشعارات - كانت هذه هي عبادة الأصنام من دون الله . . فالصنم ليس من الضروري أن يتمثل في حجر أو خشبة ; ولقد يكون الصنم مذهبا أو شعارا !

إن الإسلام لم يجيء لمجرد تحطيم الأصنام الحجرية والخشبية ! ولم تبذل فيه تلك الجهود الموصولة , من موكب الرسل الموصول ; ولم تقدم من أجله تلك التضحيات الجسام وتلك العذابات والآلام , لمجرد تحطيم الأصنام من الأحجار والأخشاب !

إنما جاء الإسلام ليقيم مفرق الطريق بين الدينونة لله وحده في كل أمر وفي كل شأن ; وبين الدينونة لغيره في كل هيئة وفي كل صورة . . ولا بد من تتبع الهيئات والصور في كل وضع وفي كل وقت لإدراك طبيعة الأنظمة والمناهج القائمة , وتقرير ما إذا كانت توحيدا أم شركا ? دينونة لله وحده أم دينونة لشتى الطواغيت والأرباب والأصنام !

والذين يظنون أنفسهم في "دين الله" لأنهم يقولون بأفواههم "نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" , ويدينون لله فعلا في شؤون الطهارة والشعائر والزواج والطلاق والميراث . . بينما هم يدينون فيما وراء هذا الركن الضيق لغير الله ; ويخضعون لشرائع لم يأذن بها الله - وكثرتها مما يخالف مخالفة صريحة شريعة الله - ثم هم يبذلون أرواحهم وأموالهم وأعراضهم وأخلاقهم - أرادوا أم لم يريدوا - ليحققوا ما تتطلبه منهم الأصنام الجديدة . فإذا تعارض دين أو خلق أو عرض مع مطالب هذه الأصنام , نبذت أوامر الله فيها ونفذت مطالب هذه الأصنام . . .

الذين يظنون أنفسهم "مسلمين" وفي "دين الله" وهذا حالهم . . عليهم أن يستفيقوا لما هم فيه من الشرك العظيم !!!

إن دين الله ليس بهذا الهزال الذي يتصوره من يزعمون أنفسهم "مسلمين" في مشارق الأرض ومغاربها ! إن دين الله منهج شامل لجزئيات الحياة اليومية وتفصيلاتها . والدينونة لله وحده في كل تفصيل وكل جزئية من جزئيات الحياة اليومية وتفصيلاتها - فضلا على أصولها وكلياتها - هي دين الله , وهي الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه .

وإن الشرك بالله لا يتمثل فحسب في الاعتقاد بألوهية غيره معه ; ولكنه يتمثل ابتداء في تحكيم أرباب غيره معه . .

وإن عبادة الأصنام لا تتمثل في إقامة أحجار وأخشاب ; بقدر ما تتمثل في إقامة شعارات لها كل ما لتلك الأصنام من نفوذ ومقتضيات !

ولينظر الناس في كل بلد لمن المقام الأعلى في حياتهم ? ولمن الدينونة الكاملة ? ولمن الطاعة والاتباع والامتثال ? . . فإن كان هذا كله لله فهم في دين الله . وإن كان لغير الله - معه أو من دونه - فهم في دين الطواغيت والأصنام . . والعياذ بالله . . !

هذا بلاغ للناس , ولينذروا به . وليعلموا أنما هو إله واحد , وليذكر أولو الألباب . .

انتهى الجزء الثالث عشر ويليه الجزء الرابع عشر مبدوءاً بسورة الحجر